أرشيف المعارف

مكتبة المعرفة الإنسانية

Eagle Mobile
إحصائية الموقع
المتواجدون الآن:
-- زائر

المستخدمين:

15:36
خاتمة قوانين حمورابى
بعد أن استعرضنا في الأجزاء الثلاثة السابقة البنيان التشريعي الكامل لأعظم قوانين العالم القديم؛ بدءاً من الجزء الأول الذي أرسى قواعد القضاء والملكيات العسكرية، ومروراً بـ الجزء الثاني الذي نظم شؤون الأسرة والتجارة، وصولاً إلى الجزء الثالث الذي حدد المسؤوليات المهنية وأجور العمال بدقة مذهلة؛ نصل الآن إلى "الخاتمة" (The Epilogue). هذه الخاتمة ليست مجرد نص قانوني، بل هي بيان ملكي وروحي مهيب، يوضح فيه حمورابي الفلسفة التي بنى عليها عدالته، موجهاً رسالة عابرة للأزمان لكل من يتجرأ على تغيير هذه القوانين، ومستنزلاً لعنات الآلهة البابلية الكبرى على كل من يحاول محو اسمه أو تشويه هذا الإرث، ليختم بذلك دستوراً حكم الأرض لقرون وبقي خالداً في ذاكرة التاريخ.

الخاتمة (The Epilogue)

قوانين العدالة التي وضعها حمورابي، الملك الحكيم. قانون عادل، ودستور تقي علّمه للبلاد. أنا حمورابي، الملك الحامي. لم أنأَ بنفسي عن البشر الذين منحني إياهم "إله بل"، والذين عهد إليّ "إله مردوخ" بحكمهم؛ لم أكن مهملاً، بل جعلت منهم مكاناً للإقامة السلمية. لقد شرحت كل الصعوبات الجمة، وجعلت الضوء يسطع عليهم. بالأسلحة القوية التي عهد بها إليّ "زماما" و"عشتار"، وبالرؤية الثاقبة التي وهبني إياها "إيا"، وبالحكمة التي منحني إياها "مردوخ"؛ اقتلعت العدو من الشمال والجنوب، وأخضعت الأرض، وجلبت الرخاء للبلاد، وضمنت الأمن للسكان في بيوتهم؛ ولم يُسمح لأي مزعج بالظهور.

لقد دعتني الآلهة العظام، فأنا الراعي حامل الخلاص، الذي عصاه مستقيمة، والظل الطيب الممتد فوق مدينتي؛ في صدري أحتضن سكان بلاد "سومر" و"أكد"؛ وفي ملجئي جعلتهم يرتاحون بسلام؛ وبحكمتي العميقة أحطت بهم. لكي لا يظلم القوي الضعيف، ومن أجل حماية الأرامل والأيتام؛ قمت في بابل، المدينة التي يرفع فيها "آنو" و"بل" رؤوسهما عالياً، وفي "إيساجيل"، المعبد الذي تقف أساساته ثابتة كالسماء والأرض، من أجل إحقاق العدل في البلاد، وفض جميع النزاعات، وشفاء كل المظالم؛ وضعت كلماتي الثمينة هذه، مكتوبة على حجر تذكاري، أمام تمثالي كملك للعدل.

أنا الملك الذي يحكم بين ملوك المدن. كلماتي مدروسة بعناية؛ وليس هناك حكمة تضاهي حكمتي. بأمر من "شمش"، القاضي العظيم للسماء والأرض، فليخرج العدل في البلاد؛ وبأمر من "مردوخ" سيدي، فليحلَّ أي دمار بنصبي هذا. في "إيساجيل" الذي أحبه، فليتردد اسمي دوماً؛ وليأتِ المظلوم الذي له قضية في القانون، وليقف أمام تمثالي هذا كملك للعدل؛ وليقرأ النقش، ويفهم كلماتي الثمينة؛ فالنقش سيشرح له قضيته؛ وسيعرف ما هو عادل، وسيفرح قلبه، فيقول:
"حمورابي حاكم هو بمثابة أب لرعاياه، يحترم كلمات مردوخ، حقق النصر لمردوخ في الشمال والجنوب، أبهج قلب مردوخ سيده، منح المنافع إلى الأبد لرعاياه، وأرسى النظام في البلاد."

عندما يقرأ السجل، فليصلِّ بقلب ملؤه الإخلاص لـ "مردوخ" سيدي، ولـ "زاربانيت" سيدتي؛ وحينها ستمنح الآلهة الحامية والآلهة التي ترتاد "إيساجيل" الرغبات المقدمة يومياً أمام مردوخ سيدي وزاربانيت سيدتي بكل كرم. في المستقبل، وعبر جميع الأجيال القادمة، فليلتزم الملك الذي قد يكون في البلاد بكلمات العدل التي كتبتها على نصبي؛ ولا يغير قانون البلاد الذي أعطيته، ولا المراسيم التي سنتها؛ ونصبي هذا لا ينبغي له أن يشوهه. إذا كان لهذا الحاكم حكمة وقدرة على حفظ النظام في بلاده، فعليه التزام الكلمات التي كتبتها في هذا النقش؛ فالدستور والقانون وقواعد البلاد التي وضعتها والقرارات التي اتخذتها سيوضحها له هذا النقش؛ فليحكم رعاياه وفقاً لذلك، ويحق الحق لهم، ويعطِ قرارات عادلة، ويقتلع الأشرار والمجرمين من هذه الأرض، ويمنح الرخاء لرعاياه.

أنا حمورابي، ملك العدل، الذي منحه "شمش" الحق والقانون. كلماتي مدروسة بعناية؛ وأفعالي لا يضاهيها شيء؛ لإخضاع المتكبرين وتواضع الفخورين وطرد الغطرسة. إذا رعى الحاكم القادم كلماتي التي كتبتها في نقشي هذا، ولم يبطل قانوني، ولم يفسد كلماتي، ولم يغير نصبي؛ فعسى أن يطيل "شمش" عهد ذلك الملك كما أطال عهدي، أنا ملك العدل، ليحكم بالعدل رعاياه.

أما إذا لم يحترم هذا الحاكم كلماتي التي كتبتها في نقشي، واحتقر لعناتي، ولم يخشَ لعنة الرب، ودمر القانون الذي أعطيته، وأفسد كلماتي، وغير نصبي، ومحا اسمي وكتب اسمه مكانه، أو كلف آخر بذلك خوفاً من اللعنات؛ فهذا الرجل، سواء كان ملكاً أو حاكماً أو "باتيسي" (كاهن) أو مواطناً عادياً، أياً كان؛ فليقم الإله العظيم "آنو"، أبو الآلهة، الذي أمر بحكمي، بسلب مجد الملكية منه، ويكسر صولجانه، ويلعن قدره.

وليأمر "بل"، السيد الذي يقرر المصائر، والذي لا يمكن تغيير أمره، والذي جعل مملكتي عظيمة؛ ليأمر بتمرد لا تستطيع يده السيطرة عليه؛ وليطلق رياح الدمار على مسكنه، وليجعل سنوات حكمه أنيناً، سنوات ندرة، سنوات مجاعة، ظلاماً بلا نور، موتاً بعيون شاخصة؛ وليأمر "بل" بفمه القوي بدمار مدينته، وتشتيت رعاياه، وقطع حكمه، وإزالة اسمه وذكراه من الأرض.

ولتتولى "بليت"، الأم العظيمة، التي أمرها نافذ في "إيكور"، السيدة التي تستمع بفضل لدعواتي؛ في مجلس القضاء والقرار، أن تقلب أموره شراً أمام "بل"، وتضع خراب أرضه ودمار رعاياه وسكب حياته كالماء في فم الملك "بل".

وليسحب "إيا"، الحاكم العظيم، صاحب القرارات المحتومة، مفكر الآلهة، كلي العلم، الذي يطيل أيام حياتي؛ فليسحب الفهم والحكمة منه، ويقوده إلى النسيان، ويغلق أنهاره عند منابعها، ولا يسمح للغلال أو القوت بالنمو في أرضه.

وليقم "شمش"، القاضي العظيم للسماء والأرض، الذي يدعم سبل العيش، سيد شجاعة الحياة؛ بتحطيم سلطانه، وإبطال قانونه، وتدمير طريقه، وجعل مسيرة جيوشه هباءً، ويرسل له في رؤاه تنبؤات باقتلاع أساسات عرشه ودمار أرضه. ولتحل عليه إدانة "شمش" فوراً؛ وليُحرم من الماء فوق بين الأحياء، ومن روحه تحت في الأرض.

وليسلب "سين" (إله القمر)، سيد السماء، الأب الإلهي، الذي يضيء هلاله بين الآلهة؛ التاج وعرش الملك منه؛ وليحمله ذنباً ثقيلاً، وانحلالاً عظيماً، لدرجة ألا يكون هناك من هو أدنى منه مرتبة. وليقدر له أياماً وشهوراً وسنوات حكم مليئة بالتنهد والدموع، وزيادة في أعباء السلطة، وحياة تشبه الموت.

وليمسك "أداد"، سيد الخصوبة، حاكم السماء والأرض، معيني؛ المطر من السماء وفيض مياه الينابيع عنه، ويدمر أرضه بالمجاعة والعوز؛ وليزمجر بقوة فوق مدينته ويجعل أرضه أكواماً من الخراب.

وليقم "زماما"، المحارب العظيم، الابن البكر لـ "إيكور"، الذي يسير عن يميني؛ بتحطيم أسلحته في ميدان المعركة، ويحول نهاره إلى ليل، ويجعل عدوه ينتصر عليه.

ولتقم "عشتار"، إلهة القتال والحرب، التي تطلق أسلحتي، روحي الحامية الكريمة، التي تحب سلطاني؛ بلعن مملكته في قلبها الغاضب؛ وفي غضبها العظيم تحول نعمته إلى شر، وتحطم أسلحته في مكان القتال والحرب. ولتخلق له الفوضى والفتنة، وتصرع محاربيه حتى تشرب الأرض دماءهم، وتطرح جثث محاربيه أكواماً في الميدان؛ ولا تمنحه حياة رحيمة، وتسلمه لأيدي أعدائه، وتسجنه في أرض أعدائه.

وليسلط "نرجال"، القوي بين الآلهة، الذي لا تُقاوم صولاته، والذي يمنحني النصر؛ بقوته العظمى ليحرق رعاياه كقصب هبّاب، ويقطع أطرافه بأسلحته القوية، ويحطمه كتمثال من فخار.

ولتحرمه "نين-تو"، السيدة السامية للبلاد، الأم المثمرة؛ من الابن، ولا تمنحه اسماً، ولا تخلف له وريثاً بين البشر.

ولتحل "نين-كاراك"، ابنة "آنو"، التي تقضي لي بالفضل؛ بآلام "إيكور" في أعضائه، حمى شديدة، وجروحاً بليغة لا تُشفى، لا يفهم الطبيب طبيعتها، ولا يمكنه علاجها بالضمادات، والتي كعضة الموت لا يمكن إزالتها، حتى تستنزف حياته.

وليتحسر على فقدان قوة حياته، وليقم آلهة السماء والأرض العظام، "الأنوناكي"، جميعاً بصب اللعنة والشر على حدود المعبد، وجدران "إيبارا" (معبد الشمس في سيبار)، وعلى سلطانه، وأرضه، ومحاربيه، ورعاياه، وجيوشه. وليعنه "بل" بلعنات فمه القوية التي لا تتغير، ولتحل عليه فوراً.

نهاية قانون حمورابي
الفئة: أرشيف الحضارات القديمة | مشاهده: 25 | أضاف: salmaanwer670 | علامات: القضاء البابلي القديم, شريعة حمورابي, العدالة في بابل, شمش إله العدل, معبد إيساجيل, إله مردوخ, تاريخ بابل العظيم, لعنة الملوك القدامى, حجر حمورابي التذكاري, لعنات حمورابي, ملك العدل البابلي, آلهة بلاد الرافدين, خاتمة حمورابي, الأسطورة البابلية, الدستور البابلي | الترتيب: 0.0/0
مجموع التعليقات: 0
📜 شاركنا برأيك في هذا البحث
اترك تعليقا سريعا دون الافصاح عن هويتك
انضم للنقاشات العلمية من خلال اثبات هويتك
avatar
Eagle
Copyright MyCorp © 2026
Eagle
شارك الموضوع
نسخ
تصوير
نسخ النص
تصوير الاقتباس