لا تقف أساطير بلاد الرافدين عند حدود السرد القصصي لنشأة الكون، بل هي مرايا تعكس تطور الفكر الإنساني في مواجهة الوجود؛ فمن رحم الطين السومري والمداد البابلي، انبعثت رؤيتان متمايزتان لشخصية "مَرْدوخ" العظيم، وضعهما العقل القديم ليجيب عن التساؤل الأزلي: كيف استحال العدمُ نظاماً؟
بينما نأت بنا الروايات السابقة نحو صراعات السيادة الكونية، يأتي هذا النص الأخير ليقدم مشهداً أكثر "مادية" وحضارية لعملية الخلق. هنا لا نرى دماءً أو حروباً، بل نرى مَرْدوخ "المهندس المصلح" وسط المياه الأزلية التي كانت تغمر كل شيء.
يأتي هذا النص كأمتداد روحي وسحري لسلسلة الروايات السابقة؛ فبعد أن رأينا صراع التنين، وخلق الوحوش، وتنظيم الأجرام، نصل هنا إلى "النهر"، شريان الحضارة البابلية السائل.
تختلف هذه الرواية عن "إينوما إيليش" في أنها تنسب الخلق إلى "مجمع الآلهة" ككل وليس لمردوخ وحده، كما تبرز دور الإله "نِين-إِيجي-أَزَاغ" (وهو لقب للإله إِيَا، رب الحكمة) في تشكيل كائنات متميزة وجميلة. النص يؤكد على التقسيم الميثولوجي القديم بين حيوانات البرية (المتوحشة) وحيوانات المدن (الأليفة)، وهو تقسيم جوهري في فكر بلاد الرافدين يرمز
... قراءة التالي »