|
بعد أن كشف لنا اللوح الأول عن أصل الوجود وانبثاق الآلهة من صخب المياه الأزلية، وبعد أن عشنا في اللوح الثاني أجواء الرعب التي خيمت على مجمع الآلهة إثر حشد "تِيامات" لجيش من الوحوش الكاسرة، وتفويضها لـ "كينغو" بسلطان ألواح المصير؛ يأتي اللوح الثالث ليرسم لنا ملامح "الدبلوماسية الكونية" في أبهى صورها.
في هذا الجزء، يرسل "أَنْشار" وزيره الأمين "غاغا" في رحلة مكوكية إلى الآلهة القدامى "لَحْمُو" و"لَحامُو"، حاملاً معه سردية الأهوال القادمة ومبشراً بظهور "مَرْدوخ" كمخلص وحيد. ينتهي هذا اللوح بواحد من أقوى المشاهد الميثولوجية: مأدبة إلهية كبرى تغيب فيها العقول تحت تأثير النبيذ، وتُسلم فيها المقادير ليد البطل الشاب، ليتحول "مَرْدوخ" من مجرد مُحارب متطوع إلى ملك متوج قبل أن تبدأ المعركة.
[تكليف غاغا بالمهمة]
-
فَتَحَ "أَنْشار" فاهُ،
-
وَإِلى "غاغا"، وَزيرِهِ، وَجَّهَ القَوْلَ:
-
"[يا غاغا، أَيُّها الوَزيرُ] الَّذي يُبهِجُ رُوحي،
-
سَأُرْسِلُكَ [إِلى 'لَحْمُو' وَ'لَحامُو'].
-
[...] مَقْصِدَكَ سَتَبْلُغُ،
-
[...] وَسَتَجْعَلُهُمْ يَمْثُلُونَ بَيْنَ يَدَيْكَ.
-
[... لِيَجْتَمِعْ] الآلِهَةُ، جَميعُهُمْ،
-
[وَلْيُعِدُّوا المَأْدُبَةَ]، وَفي الوَليمَةِ لِيَجْلِسُوا،
-
[لِيَأْكُلوا الخُبْزَ]، وَيَمْزِجُوا الخَمْرَ،
-
[لِيُقَرِّروا لِـ 'مَرْدوخ']، ثائِرِهِمْ، المَصيرَ.
-
[اِمْضِ] يا غاغا، وَقِفْ أَمامَهُمْ،
-
[وَكُلُّ ما] سَأَقُصُّهُ عَلَيْكَ، أَعِدْهُ عَلَيْهِمْ قَائِلاً:
[بلاغ أَنْشار للآلهة القدامى]
13. '[أَنْشار]، ابْنُكُم، قَدْ أَرْسَلَني، 14. وَقَدْ أَوْدَعَني [مَكْنوناتِ] قَلْبِهِ قَائِلاً: 15. [إِنَّ "تِيامات"] أُمُّنا قَدْ أَضْمَرَتْ لَنا الكَراهِيَةَ، 16. [بِكُلِّ] قُوَّتِها تَغْلي، وَهِيَ مَمْلوءَةٌ بِالسَّخَطِ. 17. كُلُّ الآلِهَةِ انْحازوا إِلَيْها، 18. وَمَعَهُمْ أُولئِكَ الَّذينَ خَلَقْتُمُوهُمْ، يَمْضُونَ إِلى جانِبِها. 19. تَحالَفُوا مَعاً وَإِلى جانِبِ تِيامات يَتَقَدَّمُونَ؛ 20. يَغْتاظُونَ وَيُدَبِّرُونَ المَكائِدَ دُونَ راحَةٍ نَهاراً وَلَيْلاً. 21. يَسْتَعِدُّونَ لِلْمَعْرَكَةِ، يَنْفُثُونَ الغَضَبَ وَيَهْتَاجُونَ؛ 22. جَمَعوا قُواهُمْ وَهُمْ الآنَ يُشْعِلُونَ الحَرْبَ. 23. أُمُّ هُوبُور، مُشَكِّلَةُ كُلِّ شَيْءٍ، 24. صَنَعَتْ أَسْلِحَةً لا تُقْهَرُ، وَأَنْجَبَتْ تَنانينَ وَحْشِيَّةً، 25. حادَّةَ الأَسْنانِ، لا تَعْرِفُ الرَّحْمَةَ في أَنْيابِها. 26. وَبَدَلَ الدَّمِ مَلأَتْ عُروقَها بِالسَّمِّ. 27. أَلْبَسَتِ الأَفاعِيَ العِمْلاقَةَ رِداءَ الهَوْلِ، 28. بِالبَهاءِ تَوَّجَتْها، وَجَعَلَتْها شاهِقَةَ الطُّولِ. 29. كُلُّ مَنْ رآها، تَمَلَّكَهُ الذُّعْرُ؛ 30. تَنْتَصِبُ أَجْسادُها فَلا يَقْوى أَحَدٌ عَلى صَدِّ هُجومِها. 31. نَصَبَتِ الأَفاعِيَ، وَالتَّنانينَ، وَاللَّحامُو، 32. وَالأَعاصيرَ، وَالكِلابَ الصَّاخِبَةَ، وَرِجالَ العَقارِبِ، 33. وَالعَواصِفَ العاتِيَةَ، وَرِجالَ السَّمَكِ، وَالكِباشَ؛ 34. يَحْمِلُونَ أَسْلِحَةً قاسِيَةً، لا يَهابُونَ القِتالَ. 35. أَوامِرُها قادِرَةٌ، لا أَحَدَ يَقْوى عَلى رَدِّها؛ 36. عَلى هَذا النَّحْوِ الصَّاعِقِ، صَنَعَتْ أَحَدَ عَشَرَ وَحْشاً. 37. وَمِنْ بَيْنِ الآلِهَةِ أَبنائِها، لِما قَدَّمَهُ لَها مِنْ [سَنَدٍ]، 38. رَفَعَتْ كِينْغو؛ وَفي وَسَطِهِمْ أَعْلَتْ شَأْنَهُ. 39. لِيَسيرَ أَمامَ القُوَّاتِ، [وَيَقُودَ الجَيْشَ]، 40. [لِيُعْطِيَ] إِشارَةَ البَدْءِ، وَيَتَقَدَّمَ [لِلْهُجُومِ]، 41. [لِيُدِيرَ] الرَّحَى، وَيُهَيْمِنَ عَلى [القِتالِ]، 42. إِلَيْهِ [عَهِدَتْ بِالأَمْرِ؛ وَفي ثِيابٍ فاخِرَةٍ] أَجْلَسَتْهُ قائلَةً: 43. "[لَقَدْ نَطَقْتُ] بِتَعْوِيذَتِكَ، وَفي مَجْمَعِ الآلِهَةِ [أَعْلَيْتُ مَقَامَكَ]، 44. [سُلْطَانَ كُلِّ] الآلِهَةِ [أَوْدَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْكَ]. 45. [كُنْ] عَظِيماً، [أَيُّهَا] الزَّوْجُ المُخْتارُ، 46. وَلْيُمَجِّدُوا اسْمَكَ فَوْقَ جَميعِهِمْ [... الآتُوناكي]." 47. أَعْطَتْهُ أَلْواحَ المَصِيرِ، وَعَلى صَدْرِهِ ثَبَّتَتْها قائلَةً: 48. "أَمْرُكَ لَنْ يَكونَ باطِلاً، وَقَوْلُ [فِيكَ] سَيَكونُ حَقّاً مُثَبَّتاً." 49. وَالآنَ كِينْغو، بَعْدَ أَنْ رُفِعَ وَنَالَ [سُلْطَانَ آنُو]، 50. قَرَّرَ المَصِيرَ لِلآلِهَةِ أَبنائِها قَائِلاً: 51. "لِيَكُنْ فَتْحُ أَفْواهِكُمْ إِخْماداً لإِلهِ النَّارِ؛ 52. وَمَنْ تَعالى شَأْنُهُ في المَعْرَكَةِ، فَلْيُظْهِرْ بَأْسَهُ!"
[فشل القدامى واستعداد مردوخ]
53. لَقَدْ أَرْسَلْتُ "آنُو"، لَكِنَّهُ لَمْ يَقْوَ عَلى صَدِّها؛ 54. وَ"نُودِيمُود" (إِيا) تَمَلَّكَهُ الخَوْفُ وَارْتَدَّ نادِماً. 55. لَكِنَّ "مَرْدوخ" قَدْ بَرَزَ، مُدَبِّرُ الآلِهَةِ، ابْنُكُم؛ 56. لِلْخُروجِ ضِدَّ تِيامات، قَدْ حَفَّزَهُ قَلْبُهُ. 57. فَتَحَ فاهُ وَقالَ لي: 58. "إِذا ما كُنْتُ أَنَا ثائِرَكُم، 59. سَأَقْهَرُ تِيامات وَأَهَبُ لَكُمُ الحَياةَ، 60. فاعْقِدُوا مَجْمَعاً، وَاجْعَلُوا مَصيري هُوَ الأَسْمى وَأَعْلِنُوهُ. 61. فِي "أُوبشوكينَّاكو" اجْلِسُوا جَمِيعاً بِفَرَحٍ؛ 62. وَلْيَكُنْ قَوْلِي، بَدَلاً مِنْكُمْ، هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ المَصِيرَ. 63. وَلْيَبْقَ كُلُّ مَا أَصْنَعُهُ ثَابِتاً لَا يَتَغَيَّرُ، 64. وَلَا تَبْدِيلَ لِمَا تَنْطِقُ بِهِ شَفَتَايَ، وَلَا جَعْلَهُ بَاطِلاً أَبَداً." 65. لِذَا، أَسْرِعوا الآنَ، وَقَرِّروا لَهُ المَصيرَ الَّذي تَمْنَحُونَ، 66. لِيَخْرُجَ وَيُقاتِلَ عَدُوَّكُمُ القَوِيَّ!'
[ذهاب غاغا ولقاء لَحْمُو وَلَحامُو]
67. مَضى غاغا، وَسَلَكَ طَريقَهُ، 68. وَبِكُلِّ خُضوعٍ أَمامَ "لَحْمُو" وَ"لَحامُو"، الآلِهَةِ آبائِهِ، 69. ارْتَمى ساجِداً، وَقَبَّلَ الأَرْضَ عِنْدَ أَقْدامِهِما. 70. تَذَلَّلَ لَهُما؛ ثُمَّ انْتَصَبَ قَائِماً وَبَلَّغَهُما القَوْلَ: (الأسطر 71-124 هي تكرار لبلاغ أَنْشار المذكور أعلاه، حيث يسرد غاغا القصة كاملة أمام الآلهة القدامى)
[ذعر الآلهة وقبولهم للمأدبة]
125. لَمَّا سَمِعَ لَحْمُو وَلَحامُو ذلِكَ، صَرَخا بِصَوْتٍ عالٍ، 126. وَكُلُّ آلهةِ "الإِيجيجي" ضَجُّوا بِالعَويلِ المَريرِ قَائلِينَ: 127. "ما الَّذي تَبَدَّلَ حَتَّى يَبْغُوا هكذا...؟ 128. نَحْنُ لا نَفْهَمُ فِعْلَةَ تِيامات!" 129. ثُمَّ احْتَشَدوا وَمَضوا جَميعاً، 130. كُلُّ الآلِهَةِ العِظَامِ، مُقَرِّرُو المَصائِرِ. 131. دَخَلوا إِلى حَضْرَةِ أَنْشار، وَمَلأوا [... المكان]؛ 132. قَبَّلَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً في المَجْمَعِ [...]. 133. أَعَدُّوا لِلْمَأْدُبَةِ، وَفي الوَليمَةِ [جَلَسوا]؛ 134. أَكَلوا الخُبْزَ، وَمَزَجُوا [نَبيذَ السِّمْسِمِ]. 135. الشَّرابُ الحُلْوُ، وَالمِزْرُ (الجِعَةُ)، أَرْبَكَا [... خَواطِرَهُم]، 136. ثَمِلوا مِنَ الشُّرْبِ، وَامْتَلأَتْ أَجْسادُهُمْ. 137. صاروا في دَعَةٍ تامةٍ، وَارْتَفَعَتْ أَرْواحُهُمْ بِالزَّهْوِ؛ 138. وَآنَذاك، لِـ "مَرْدوخ"، ثائِرِهِمْ، قَرَّرُوا المَصيرَ.
|