|
في العظة الأولى، استعرضنا الجذور التاريخية لرسالة زرادشت، وكيف انبثقت من عزلة التأمل لتعيد النقاء التوحيدي لإيمان الأريين القدامى، مع التركيز على المبادئ الفلسفية الكبرى لصراع الخير والشر. أما في هذا الجزء الثاني، فينتقل الكاتب من التجريد الفلسفي إلى "فقه الحياة" والعمل؛ حيث يشرح كيف تُرجمت هذه التعاليم إلى قوانين صحية، واجتماعية، وأخلاقية صارمة تضمن رفاهية الإنسان على الأرض، وتعبّد له الطريق نحو الخلود في الحياة الآخرة.
عن الحياة على الأرض
يقدم كتاب "الونديداد" وصفاً تصويرياً لست عشرة منطقة وبلداً خلقها القدير، تمتد من شواطئ بحر قزوين إلى ضفاف نهر السند في الهند. كان "ييما" (المعروف في الشاهنامه باسم جمشيد) هو الرجل المفضل عند الله، حيث تلقى الأمر الإلهي: "وسّع عالمي، اجعل عالمي مثمراً، أطعني كحامٍ ومغذٍ وناظرٍ على العالم". أُعطي ييما محراثاً ورمحاً ذهبياً كرموز للسيادة، فشرع في تنفيذ هذا التفويض المقدس، واستصلح مساحات شاسعة من الأراضي وملأها بالبشر والماشية والدواب والطيور والنيران المشتعلة.
يحلق الخيال عالياً أمام هذه الصورة من النعيم الرعوي والعمل السلمي في زراعة التربة البكر وتكاثر الأنواع. كان الشر غير معروف؛ وكان يوم السطوع الأبدي وصيف الفرح المشع والسلام السماوي قد ألقوا بوشاح مجدهم المتسامي على أرض إيران التي اختار الله "ييما" ناظراً عليها.
تحذير ييما ومواجهة الروح الشريرة
لم يكن ييما يعلم بوجود الروح الشريرة (أنغرو ماينوس) في حالة الطبيعة، والتي تحاول إفساد صنعه بالثلوج والصقيع والطوفان. إن الروح الشريرة "لا تفكر ولا تتكلم ولا تعمل من أجل رفاهية مخلوقات أهورامازدا، وعملها هو القسوة وتدمير هذا الرفاه؛ فالمخلوقات التي يزيدها أهورامازدا، يقوم هو بتدميرها، وعينه الشريرة لا تكف عن إلحاق الأذى".
بسبب تقوى ييما، كُشف له أن الثلوج والصقيع والطوفان ستحل بهذا العالم المادي. وحُذر في الوقت المناسب ليعد "حظيرة" (ملاذاً) كبيرة بما يكفي لاستيعاب الماشية والبشر والحيوانات النافعة والبذور من كل نوع—"كل هؤلاء في أزواج"—دون أي عيب أو علامة من علامات الروح الشريرة. وبذلك نجح ييما، مثل نوح القديم، في إنقاذ الخلق المختار.
فلسفة الصحة العامة والطهارة
جزء كبير من اللاهوت الزرادشتي موجه نحو حماية البشرية في كفاحها ضد "أنغرو ماينوس". ولكي يوقف زرادشت تيار الدمار، وضع حجر الأساس لفلسفته الأخلاقية من خلال سن قواعد صحية محددة بدقة للحفاظ على المجتمع الرعوي من الأوبئة.
كان "التعفن" أو التحلل الناتج عن الجثث هو الموضوع الأول الذي تناوله "الأفيستا". فعند حدوث الموفاة، يستولي عنصر الشر المعروف بـ "دروخس ناصوس" (روح التعفن) على الجثة. وفي اللغة المجازية لتلك الفترة، تم تجسيد التعفن في صورة ذبابة خبيثة مليئة بالقذارة والأمراض.
وقد أعطى الكتاب تعليمات دقيقة حول كيفية حفظ الجثة، ومكان راحتها الأخير حيث تتحلل إلى عناصرها الطبيعية، وتطهير المكان الذي وضعت فيه، وملابس من لمسوها. "الطهارة هي أفضل شيء للإنسان بعد الولادة"، هكذا يقول الأفيستا. وهذه التعليمات التي وُضعت قبل آلاف السنين، تتماشى بشكل مذهل مع نظريات الجراثيم الحديثة في القرن العشرين.
عمارة الأرض وحماية البيئة
تأتي بعد ذلك الأوامر بزراعة التربة، وإنتاج الحبوب، ورعي الماشية، وري الأراضي الجافة وتجفيف المستنقعات. تشعر الفلسفة الزرادشتية بالرعب من فكرة تدنيس "الأرض الأم" بدفن الجثث فيها، ولذلك ابتكروا وسيلة للتخلص من الجثث فوق قمم الجبال العالية لتأكلها الجوارح أو عبر العمليات الطبيعية، وهو ما يُعرف بـ "أبراج الصمت". لقد حمى هذا النظام الصحي الصارم البارسيين حتى من الأوبئة الفتاكة مثل الطاعون الدبلي الذي حصد الآلاف من حولهم بينما ظلوا هم في مأمن بفضل "درع الصحة" الذي صاغه زرادشت.
دستور الأخلاق: المبادئ الثلاثة
لخص زرادشت فلسفته الأخلاقية كاملة في ثلاث كلمات معبرة:
-
هوماتا (Humata): الأفكار الطيبة.
-
هوختـا (Hukhta): الأقوال الطيبة.
-
هوارشتـا (Hvarshta): الأفعال الطيبة.
-
بالأفكار الطيبة: يركز الزرادشتي عقله في تأمل الخالق والعيش في وئام مع إخوته، وحمايتهم ومساعدتهم وتعليمهم.
-
بالأقوال الطيبة: يُؤمر بعدم نكث العهود، والالتزام بالأمانة في المعاملات التجارية، وتجنب جرح مشاعر الآخرين.
-
بالأفعال الطيبة: يُوجه لإغاثة الفقراء، وزراعة الأرض، وتوفير الطعام والماء، وتخصيص فائض ثروته للأعمال الخيرية.
عن الحياة الآخرة
"إن الوجود الدنيوي في النهاية هو موت واختفاء، أما الوجود الروحي في النهاية، فإن روح البار هي روح لا تبلى، خالدة، ممتلئة بالمجد والبهجة إلى الأبد".
تصف الأسفار الزرادشتية رحلة الروح بعد الموت بيقين تام في الخلود والقيامة. تبقى الروح ثلاثة أيام قرب الجسد، وفي اليوم الرابع تصعد بصحبة الملاك الحارس "شروش" لتُحاسب عند بوابـة "جسر شينفات". في رحلتها نحو الأعلى، تلتقي الروح بذاتها الأثيرية، التي تتجسد في صورة شخصية غاية في الجمال والنعمة، وتقول له: "أنا أفكارك الطيبة وأقوالك الطيبة وأفعالك الطيبة". وبعد الحساب، تعبر الروح إلى السعادة الأبدية المعروفة بـ "غاروثمان بهشت" (الفردوس).
على العكس من ذلك، تُساق روح الشرير إلى العذاب حتى يوم "الجمع العظيم"، حين يُهزم الشر نهائياً ويحل السلام الأبدي. ومع ذلك، لا تيأس الروح الخاطئة من رحمة الله؛ فكل عمل طيب، مهما صغر، يُحسب لها (مثل قصة الملك الظالم الذي نال قدمه الأيمن الراحة لأنه رفس بها حزمة قش لتصل إلى ماعز جائعة).
خاتمة: أثر التعاليم في الواقع
قد يقول البعض إن هذه فلسفة "وردية"، ولكن انظروا إلى النتائج: لقد جعلت هذه التعاليم من البارسيين مواطنين مخلصين، محبين للسلام، ومجتمعاً خيرياً قلّ فيه الإجرام والفقر بشكل نادر. إن الإجرام لا يجد تربة خصبة في مجتمع زرادشتي لأن الترياق الذي وضعه النبي ينتقل من جيل إلى جيل.
لو زار زرادشت عالمنا اليوم، لكان خطوته الأولى هي تنظيم مؤسسات وطنية تأخذ بأيدي الفقراء والمشردين منذ طفولتهم لتوجههم نحو طريق الأفكار الطيبة، الأقوال الطيبة، والأفعال الطيبة. حينها فقط، سيجني الوطن ثمار أبناءٍ يمشون كجنود لله، ورواداً للخير والكرامة.
الحواشى
31:* Dinâ-î Maînôg-î Khirad.
35:* Fargard X. of the Vendidad.
37:* Yaçna XIV.
39:* Yaçna LIII.
39:† Farvardin-Yasht.
43:* A prayer of repentance for sin.
44:* Fargard III. of the Vendidad (Darmesteter).
45:* Sad Dar LXXXIII.
45:† Fargard XVIII. (Bleeck's Translation).
51:* See Notes.
52:* Means life or vitality.
52:† Conduit, canal or water ways.
53:* "Original Creation" (a book).
53:† "Lalla Rookh" (Thomas Moore).
55:* "House of hymns"—the highest Heaven.
|