أرشيف المعارف

مكتبة المعرفة الإنسانية

Eagle Mobile
إحصائية الموقع
المتواجدون الآن:
-- زائر

المستخدمين:

13:07
مفهوم القلب عند المصريون القدماء

لقد أثارت ثقافة مصر القديمة وتاريخها اهتمام الباحثين على مدى قرون. وقد حفّز موضوع الطب، وبخاصة علم أمراض القلب، في مصر القديمة نقاشات علمية نشطة. واكتسبت هذه النقاشات زخمًا بعد اكتشاف ما يُعد من البرديات الطبية المصرية القديمة في أواخر القرن التاسع عشر. ومن بين هذه البرديات اثنتان خُصِّصت فيهما أقسام واسعة لمسائل تتعلق بالقلب والأوعية التي تتجمع عند القلب، وهما برديتا إدوين سميث وإيبرز، وقد تم العثور عليهما في مقابر طيبة سنة 1862، ويُعتقد أنهما كُتبتا في الأصل حوالي عام 1550 قبل الميلاد. وتسارعت دراسة محتوياتهما في أوائل القرن العشرين عندما اكتملت ترجمتهما بدرجة كافية. تاريخيًا، اعترف الإغريق القدماء بقيمة الطب المصري. فقد «كان يُقال في اليونان إن دراسة الطب في مصر كانت أعلى شهادة يمكن أن يقدمها طبيب» [1]. ويتفق الباحثون على أن «دور الطب المصري في تطوير الأسس العلمية للطب اليوناني والروماني كان مهمًا للغاية» [2]. وفي حوالي عام 1550 قبل الميلاد، سُجِّلت في بردية إدوين سميث الأساليب العلمية لقياس حالة المريض وتقديرها كميًا باستخدام أداة معايرة [3]. وبالمثل، «فإن الملاحظات السريرية للمرضى الذين يعانون من ضعف القلب والاحتقان، الواردة في بردية إيبرز المكتوبة تقريبًا بين عامي 1553 و1550 قبل الميلاد، سبقت بسنوات طويلة أوصاف أبقراط وسيلسوس في أوائل العصر الميلادي في روما، وكذلك ابن سينا في طب العصور الوسطى» [4]. لقد اكتشف أطباء مصر القديمة العلاقة بين قلب الإنسان والنبض ومختلف الحالات الصحية المرتبطة به. وينقل سابا وآخرون عن هنري بريستد، أحد أبرز مترجمي بردية إدوين سميث، قوله: «لقد كان (جرّاحنا القديم) على علم بوجود نظام قلبي، وكان قريبًا بشكل مدهش من إدراك الدورة الدموية، إذ كان مدركًا بالفعل أن القلب هو المركز والقوة الدافعة لمنظومة من الأوعية الموزِّعة. وكان واعيًا بأهمية النبض، وربما بدأ بالفعل في عدّ النبض، وهي ممارسة وُجدت لاحقًا لأول مرة بين الأطباء الإغريق في القرن الثالث في الإسكندرية». ويضيف بريستد: «ومن المؤكد أنها حقيقة ذات دلالة أن أول طبيب معروف قام بعدّ النبض، وهو هيروفيلوس الإسكندري، عاش في مصر. كما أنه من غير المحتمل أن يكون هذا محض صدفة، إذ حدث في الأرض التي أنتجت أقدم أدوات قياس الزمن المعروفة، فقد استخدم هيروفيلوس ساعة مائية مصرية لتوقيت عدّ النبض» [5]. وباختصار، يمكن القول بثقة إنه في مصر القديمة «كان الأطباء المحليون، وكذلك الكهنة وحتى باعة التمائم العاديون، جميعهم على دراية بالنبض (أي “حديث القلب”)، واتخذوا خطوات لمراقبته في مختلف أجزاء الجسم» [6]. ولا ينبغي أن يكون هذا المستوى من المعرفة بالقلب والنبض والأوعية في مصر القديمة أمرًا مفاجئًا. «فبالنسبة للمصريين القدماء، كان القلب مركز الفكر والعاطفة وجميع الوظائف العصبية الأخرى — عضوًا بالغ الأهمية إلى درجة أنه عُدّ ضروريًا للخلاص بعد الموت، ولذلك تُرك داخل الجسد أثناء التحنيط لضمان وجوده وقت الحساب وفي الحياة الآخرة. وكان يُعتقد أن القلب قادر على تسجيل جميع الأفعال الصالحة والسيئة التي يؤديها الإنسان خلال حياته» [7]. وتؤكد لورا إم. زوكوني أن المصريين القدماء كانوا يرون أن «روح الإنسان تستقر في القلب، وخلال محاكمة الموتى كان يُوزن قلب المرء مقابل ريشة ماعت» [8]. وماعت هي مفهوم التوازن والانسجام الكوني، ويمكن تجسيدها في الإلهة ماعت. «وكانت فكرة ماعت (التوازن، النظام، العدالة) تحكم العلاقات داخل هذه العوالم [الدنيوية والفوق طبيعية] وبينها» [9]. ومن الواضح أن القلب بالنسبة للمصريين القدماء لم يكن مجرد عضو تشريحي فحسب. في النصوص المصرية القديمة توجد كلمتان تُستخدمان للدلالة على القلب:ايب وحاتى. ويوضح تيودور ليكوف أن استخدام ايب «يحمل دلالات مثل: داخلي، خفي، غير مرئي، الذات الباطنة». أما استخدام حاتى، فيعني حرفيًا «الذي في الأمام»، أي بمعنى: خارجي، مرئي [10]. ويتفق ليكوف مع الرأي القائل إن «قلب ايب غالبًا ما يُعرّف بوصفه الوعي وعضو الفكر والحواس، بينما يشير قلب حاتى في معظم الأحيان إلى القلب الجسدي، أي العضو التشريحي» [11]. وقد يبدو للوهلة الأولى أن المصريين القدماء، مثل تصورنا المعاصر، استخدموا “القلب” بطريقتين: مجازية وحرفية. فعندما يُستخدم قلب ايب يكون المقصود المعنى المجازي، وعندما يُستخدم قلب حاتى يكون المقصود القلب الحرفي. غير أن ليكوف يكشف أن «الكلمتين تُستخدمان في كثير من الحالات بوصفهما مترادفتين، ويمكن لإحداهما أن تحل محل الأخرى في نسخ مختلفة من النص نفسه» [12]. وعلاوة على ذلك، يذكر أن «غياب قلب ايب يقترن أيضًا بغياب قلب حاتى» [13]، مما يشير إلى وجود ترابط حقيقي غير مجازي بين نمطي القلب. كما يقدم ليكوف أمثلة تُظهر أن قلب حاتى، الذي يُفترض عادة أنه العضو التشريحي المادي، يمكنه أحيانًا أن يغادر الجسد، وعندما يحدث ذلك «يتعطل النظام الكامل للإدراك الإنساني» [14]. ويُعد وجود قلب حاتى ضروريًا لعمل أعضاء الإدراك، لأن «القلب هو المركز الذي يوجّه عملية الإدراك، ويتحكم في كل عضو من أعضاء الجسد» [15]. وتقود هذه الأمثلة ليكوف إلى الاستنتاج بأن قلب حاتى «أقرب إلى كونه تسمية لوظائف القلب الجسدي» [16]، وليس القلب المادي نفسه. ويُظهر الفحص الدقيق لبرديات المصريين القدماء أن الفهم المعاصر الذي يميز بين المعنى الحرفي والمجازي للقلب لم يكن موجودًا في الوعي المصري القديم. ويرى ليكوف أن العلاقة المتبادلة والترابط بين نمطي القلب يمثلان شكلًا من أشكال السبب والنتيجة، غير أنه ليس واضحًا أي القلبين، ايب أم حاتى، يمثل السبب وأيهما يمثل النتيجة. ويخلص ليكوف إلى القول: «إن مصطلحاتنا التشريحية الحديثة وفهمنا للعمليات الفسيولوجية في جسم الإنسان لا تتوافق مع التصور القديم للطبيعة البشرية. ومحاولات تفسير المصطلحات القديمة باستخدام مفاهيم حديثة محكوم عليها بالفشل» [17]. وتقدم لورا إم. زوكوني سببًا محتملًا لصعوبة فهمنا الحديثة للطب والتشريح والعمليات الفسيولوجية في مصر القديمة، إذ تقول إن «المصريين القدماء لم يروا فصلًا صارمًا بين الطب والدين» [18]. ووفقًا لها، «كانت العوالم الدنيوية والفوق طبيعية تتقاطع، وكان الجسد الفاني وأفعال الإله جزءًا متكاملًا. وكانت الصحة تعني وجود توازن إما داخل الجسد نفسه أو مع كيانات خارج الجسد. أما المرض فكان يدل على أن شيئًا ما قد أخلّ بماعت (التوازن)» [19]. ولم يكن تصورنا الحديث لمجالين منفصلين — الطب والدين، أو العلم التجريبي والإيمان — موجودًا في مصر القديمة. وتضيف موضحة: «لم يكن الفصل بين الطبيعي والفوق طبيعي هو ما يقيّد التصور المصري لأسباب المرض، بل إن نوبة المرض قد تجمع بين الجانبين. فقد يكون الجانب الفوق طبيعي سببًا للمرض على هيئة عقاب من الآلهة، أو تذكير بالواجب الاجتماعي، أو هجوم مباشر من كيان خبيث أو متقلب» [20]. وبعبارة أخرى، لم يكن الالتزام الصارم بالغذاء الصحي والرياضة والأنشطة الاجتماعية كافيًا لضمان الصحة والعافية. فقد تؤدي عوامل أخرى تتعلق بالمعتقدات والأفعال الأخلاقية إلى الإصابة بالأمراض. وأي تصرف يخل بتوازن الكون، سواء داخل الجسد أو خارجه، يمكن أن يجلب العقاب في صورة آلام جسدية أو أمراض بدنية. وكانت الصحة تعني الانسجام مع ماعت. وتذكر البرديات الطبية ثلاثة أنواع من المعالجين: «سونو (الطبيب)، ووعب (الكاهن الطاهر)، وسعو (الساحر)» [21]. غير أن «المعالج المصري القديم لم يكن يميز بدقة بين فئات التعويذة والطقس والوصفة الطبية، بل كان يمزج بينها في إطار استخدام الهيكا (القوة السحرية)» [22]. أي أنه في كثير من الأحيان كان هناك تداخل في الممارسات العلاجية بين الأنواع الثلاثة من المعالجين. «وغالبًا ما لجأ هؤلاء المعالجون الثلاثة إلى العلاجات نفسها، إضافة إلى ارتباطهم الوثيق بالبنى الدينية في مصر القديمة… وكان الطبيب سونو، مثل الكاهن وعب والساحر سعو، يستعين بالهيكا من أجل شفاء مرضاه» [23]. وما هو واضح لدينا أن الأنواع الثلاثة من المعالجين في مصر القديمة «كانوا يستخدمون بانتظام الأيديولوجيا الدينية المصرية لمساعدة المصابين بالأمراض» [24]. وعلى مر التاريخ، اعتاد البشر تقسيم المعرفة إلى مجالات منفصلة، بحيث يركز كل متخصص على مجاله الخاص. فالطبيب يتعلم الطب، والكاهن يتعلم الدين، ونادرًا ما ينخرط المتخصصون في كل مجال بجدية في دراسة مجالات أخرى. غير أن هذا الفصل لم يكن واضحًا في مصر القديمة. ووفقًا لزوكوني، فإن استخدامنا الصارم لمصطلحات مثل «طبيب» و«ساحر» و«كاهن» عند قراءة النصوص المصرية القديمة «لا يؤدي إلا إلى ترسيخ الثنائية المصطنعة بين الطب والدين بوصفهما نشاطين منفصلين، بدلًا من النظر إلى الرعاية الصحية باعتبارها جزءًا من الممارسات الدينية» [25]. وقد تفشل محاولاتنا في تفسير المصطلحات القديمة، مثل مصطلحات القلب في مصر القديمة، بسبب محاولتنا فرض رؤية علمانية على بنية شديدة التدين. فلم يكن الجسد البشري، شأنه شأن الطبيعة، كيانًا علمانيًا بلا روح، بل كان كيانًا تحكمه مبادئ دينية. وكان القلب البشري عضوًا مقدسًا، وكانت صحته تعتمد على مساهمته في تحقيق الانسجام الكوني.  

المراجع


[1] Boisaubin, Eugene V. "Cardiology in ancient Egypt." Texas Heart Institute Journal 15, no. 2 (1988): 80-85.

[2] Saba, Magdi M., Hector O. Ventura, Mohamed Saleh, and Mandeep R. Mehra. "Ancient Egyptian medicine and the concept of heart failure." Journal of cardiac failure 12, no. 6 (2006): 416-421.

[3] Ritner, Robert K. "The cardiovascular system in ancient Egyptian thought." Journal of Near Eastern Studies 65, no. 2 (2006): 99-109.  

[4] Saba, Magdi M., Hector O. Ventura, Mohamed Saleh, and Mandeep R. Mehra. "Ancient Egyptian medicine and the concept of heart failure." Journal of cardiac failure 12, no. 6 (2006): 416-421.  

[5] Ibid., P. 420

[6] Ritner, Robert K. "The cardiovascular system in ancient Egyptian thought." Journal of Near Eastern Studies 65, no. 2 (2006): 99-109.

[7] Boisaubin, Eugene V. "Cardiology in ancient Egypt." Texas Heart Institute Journal 15, no. 2 (1988): 80-85.

[8] Zucconi, Laura M. "Medicine and religion in ancient Egypt." Religion Compass 1, no. 1 (2007): 26-37.

 [9] Ibid., P. 27

 [10] Lekov, Teodor. "The Formula of the" Giving of the Heart" in Ancient Egyptian Texts." The Journal of Egyptological Studies 1 (2004).

[11] Ibid., P. 4

[12] Ibid., P. 1

 [13] Ibid., P. 10

 [14] Ibid., P. 16

 [15] Ibid.

[16] Ibid.

[17] Ibid., P. 17

[18] Zucconi, Laura M. "Medicine and religion in ancient Egypt." Religion Compass 1, no. 1 (2007): 26-37.

 [19] Ibid., P. 29

 [20] Ibid.

 [21] Ibid., P. 34

[22] Ibid., P. 31

 [23] Ibid., P. 34

[24] Ibid., P. 36

 [25] Ibid., P. 34

الفئة: أرشف الاديان القديمة | مشاهده: 15 | أضاف: salmaanwer670 | علامات: معتقدات دينية, أنوبيس, مفهوم القلب, كتاب الموتى, التحنيط, محاكمة الموتى, المصريين القدماء | الترتيب: 0.0/0
مجموع التعليقات: 0
📜 شاركنا برأيك في هذا البحث
اترك تعليقا سريعا دون الافصاح عن هويتك
انضم للنقاشات العلمية من خلال اثبات هويتك
avatar
Eagle
Copyright MyCorp © 2026
Eagle
شارك الموضوع
نسخ
تصوير
نسخ النص
تصوير الاقتباس