|
ديانة البابليين والآشوريين هي عقيدة تعدد الآلهة التي اعتنقتها الشعوب التي سكنت وديان دجلة والفرات منذ ما يمكن اعتباره فجر التاريخ وحتى بدأت الحقبة المسيحية، أو على الأقل، حتى وقع السكان تحت تأثير المسيحية. ويمكن تقدير الفترة الزمنية التي غطتها هذه الديانة بنحو 5000 عام تقريباً. وبحلول نهاية تلك الفترة، كانت معتقدات الشعب عبارة عن وثنية بابلية ممتزجة باليهودية، مما جعل البلاد مهيأة على الأرجح لاستقبال العقيدة الجديدة. ومع ذلك، فإن المسيحية لم تحل بأي حال من الأحوال محل التعددية السابقة تماماً، والدليل على ذلك أن عبادة "نيبو" (Nebo) والآلهة المرتبطة به استمرت حتى القرن الرابع للميلاد.
الشعوب المعتنقة لهذه الديانة
كانت هذه العقيدة تخص شعبين متميزين: السومريين-الأكاديين، والآشوريين-البابليين. ولا يُعرف في أي بلد كانت بداياتها؛ فهي تظهر أمامنا، حتى في أبكر عصورها، كعقيدة متطورة تماماً. ومن حقيقة الأسماء العديدة للآلهة، يتضح أنها بدأت مع العرق الأول—السومريين-الأكاديين—الذين تحدثوا لغة غير سامية تأثرت إلى حد كبير بالتحلل الصوتي، واختلطت فيها الصيغ القواعدية لدرجة دفعت دارسيها للتساؤل عما إذا كان المتحدثون بها قادرين على فهم بعضهم البعض دون اللجوء إلى وسائل مثل "النغمات" التي يستخدمها الصينيون. ومع استثناءات قليلة، فإن أسماء الآلهة التي كشفت عنها النقوش مشتقة جميعها من هذه اللغة غير السامية، والتي توفر لنا اشتقاقات لغوية مرضية لأسماء مثل: مردوخ (Merodach)، ونيرغال (Nergal)، وسين (Sin)، والآلهة التي ذكرها "بيروسوس" و"داماسكيوس"، بالإضافة إلى مئات الآلهة التي كشفت عنها الألواح والمنحوتات في بابل وآشور.
الوثائق والمصادر
بعيداً عن نقوش بابل وآشور، لا يوجد سوى القليل مما يتعلق بديانة تلك البلاد، وأهمها مقتطفات من "بيروسوس" و"داماسكيوس". ومع ذلك، نمتلك بين الآثار البابلية والآشورية مادة ضخمة وقيمة، يرجع تاريخها إلى الألفية الرابعة أو الخامسة قبل الميلاد وحتى اختفاء نظام الكتابة البابلي مع بداية العصر المسيحي. النقوش المبكرة هي في معظمها سجلات تقدم معلومات عن الآلهة وديانة الشعب من خلال وصف بناء وإعادة بناء المعابد، وتقديم القرابين، وأداء الطقوس، إلخ. أما النقوش الدينية الخالصة فظهرت قرب نهاية الألفية الثالثة قبل الميلاد، وتوجد بأعداد كبيرة، إما بالنص السومري الأصلي، أو بترجمات، أو بكليهما، حتى القرن الثالث قبل الميلاد تقريباً. ومن بين النقوش الأحدث—تلك المستخرجة من مكتبة الملك الآشوري "آشور-باني-أبال" وأرشيفات المعابد البابلية المتأخرة—هناك العديد من قوائم الآلهة، مع تعريفات تربطها ببعضها وبالأجرام السماوية، وشروحات لطبائعها. وغني عن القول إن كل هذه المادة ذات قيمة هائلة لدراسة ديانة البابليين والآشوريين، وتمكننا من إعادة بناء نظامهم الميثولوجي وملاحظة التغيرات التي طرأت عبر وجودهم الوطني الطويل. وتوضح العديد من الأساطير الممتعة المعلومات الواردة في قوائم الآلهة والتراتيل والتعاويذ ثنائية اللغة.
أهمية الموضوع
تمتلك ديانة بابل وآشور، التي تضاهي ديانة مصر في القدم، بعض الاختلافات الجوهرية في تطورها. فبعد أن بدأت بين السكان السومريين-الأكاديين (غير الساميين)، حافظت لفترة طويلة على تطورها المتواصل متأثرة بشكل أساسي بمؤثرات داخلية، وهي العبادات المحلية المتجانسة التي تفاعلت مع بعضها البعض. ولم تؤثر الأنظمة الدينية للأمم الأخرى بشكل كبير على هذا النظام المبكر. ولكن، حان الوقت الذي فرض فيه السكان الساميون في بابل وآشور تأثيرهم، ومن تلك اللحظة اتخذ تطور ديانتهم مساراً آخر. ومن المرجح أن هذا التصاعد في التأثير السامي يعود إلى زيادة أعداد السكان الساميين، وفي نفس الفترة بدأت اللغة السومرية-الأكادية تفسح المجال للهجة السامية التي تحدثوا بها. وعندما استُخدمت اللغة البابلية السامية في الوثائق الرسمية، نجد أنه رغم الحفاظ على أسماء الآلهة غير السامية في الغالب، فقد استُبدل عدد منها بأسماء سامية مكافئة، مثل: شماش (إله الشمس)، ونابو (المعلم)، وأدد أو رمّان (إله الرعد)، وبيل وبيلتو (السيد والسيدة). وبدلاً من وجود إله رئيسي لكل ولاية على رأس مجمع آلهة منفصل، كان الاتجاه نحو جعل مردوخ، إله العاصمة بابل، رئيساً لمجمع الآلهة، ويبدو أنه قُبل عالمياً في بابل، كما قُبل "آشور" في آشور، حوالي عام 2000 قبل الميلاد أو قبل ذلك.
اتحاد مجمعي الآلهة
وهكذا نجد مجمعين للآلهة: السومري-الأكادي بآلهته الكثيرة، والبابلي السامي بآلهته القليلة نسبياً، قد اتحدا وشكلا كلاً واحداً متجانساً في الظاهر. لكن العقيدة اتخذت منحىً جديداً؛ فلم تعد مجرد سلسلة من مجامع الآلهة الصغيرة والمتصارعة أحياناً، بل أصبحت مجمعاً واسعاً يضم آلهة عظماء رفعوا "مردوخ" ليكون ملكاً عليهم.
في آشور
بينما قبلت آشور ديانة بابل، حافظت على تميزها عن جارتها الجنوبية بوسيلة بسيطة، وهي وضع الإله "آشور" على رأس مجمع الآلهة، فأصبح بالنسبة لها سيد الآلهة وشعار تطلعاتها الوطنية المستقلة. ومع ذلك، امتلكت آشور، إلى جانب لغة بابل، كل أدب ذلك البلد؛ وفي الواقع، فإننا نحصل من مكتبات ملوكها على أفضل النسخ للنصوص الدينية البابلية التي اعتزت بها وحافظت عليها بكل ما تملكه عقلية الآشوري من تبجيل ديني.
الفترة المتأخرة في آشور وبابل
مضت آشور نحو سقوطها في نهاية القرن السابع قبل الميلاد وهي تعبد إلهها القومي "آشور"، ولم تنتهِ عبادته بسقوط استقلالها الوطني. أما بابل، فقد استمرت في مسارها الهادئ، وظلت عابدة وفية لـ "مردوخ"، إله بابل العظيم، الذي نسب إليه كهنتها قوى أكبر، ويبدو أن جميع الآلهة الآخرين قد ذابوا في هويته. هذا الميل نحو التوحيد (Monotheism) لم يصل قط إلى ذروته المطلقة—إلا في عقول أولئك الذين قرروا لأنفسهم، لأسباب فلسفية، أنه لا يوجد سوى إله واحد وعبدوه.
الصورة التي تقدمها الدراسة
وهكذا نرى من خلال النقوش المختلفة نمو وتطور واحد من أهم الأنظمة الدينية في العالم القديم. ورغم أنها ليست بأهمية ديانة العبرانيين بالنسبة للأديان الحديثة، إلا أنها العقيدة التي نبعت منها الأمة العبرانية، ومنها كانت بداياتها الجسدية والروحية، ولذلك لا يمكن لأي دارس للأنظمة الدينية الحديثة إهمالها. إن أساطيرها، وبالتالي تعاليمها، تغلغلت في النهاية في الغرب السامي، وربما وصلت إلى أوروبا عبر اليونان الوثنية أو المسيحيين الأوائل الذين كانوا أكثر دراية بأساطير وأفكار هؤلاء القوم من إنسان العصر الحالي.
|