أرشيف المعارف

مكتبة المعرفة الإنسانية

Eagle Mobile
إحصائية الموقع
المتواجدون الآن:
-- زائر

المستخدمين:

16:35
الرواية الكلدانية للطوفان - جورج سميث
منذ وقت قصير، اكتشفت بين الألواح الآشورية في المتحف البريطاني روايةً عن الطوفان؛ وبناءً على نصيحة رئيس جمعيتنا، أعرضها الآن أمام الجمعية. وتيسيراً للعمل، قمت بتقسيم مجموعة الألواح الآشورية في المتحف البريطاني إلى أقسام، وفقاً للموضوعات التي تتناولها النقوش.
كنت أعكف مؤخراً على فحص القسم الذي يضم الألواح الميثولوجية والأسطورية، ومن هذا القسم استخرجت عدداً من الألواح التي تروي سلسلة غريبة من الأساطير، وتتضمن نسخة من قصة الطوفان. وعند اكتشافي لهذه الوثائق، التي كانت مهشمة بشدة، بحثت في جميع مجموعات شظايا النقوش، المكونة من عدة آلاف من القطع الصغيرة، واستعدت في النهاية 80 شظية من هذه الأساطير؛ وبمساعدتها تمكنت من استعادة النص الكامل لوصف الطوفان تقريباً، وأجزاء كبيرة من الأساطير الأخرى. كانت هذه الألواح في الأصل لا تقل عن اثني عشر لوحاً، تشكل قصة واحدة أو مجموعة أساطير، حيث تقع رواية الطوفان في اللوح الحادي عشر.    
أما عن النقش الذي يصف الطوفان، فتوجد شظايا لثلاث نسخ تحتوي على النصوص نفسها؛ تنتمي هذه النسخ إلى عصر آشور بانيبال، أي حوالي 660 عاماً قبل العصر المسيحي، وقد وُجدت في مكتبة ذلك العاهل في القصر بنينوى. أما النص الأصلي، فوفقاً للبيانات الواردة في الألواح، لابد أنه كان ينتمي لمدينة "إيريك" (أوروك)، ويبدو أنه إما كُتب بالبابلية السامية أو تُرجم إليها في فترة مبكرة جداً. ومن الصعب جداً في الوقت الحاضر تحديد التاريخ الذي كُتبت فيه هذه الوثيقة أو تُرجمت لأول مرة، ولكن فيما يلي بعض الأدلة على قدمها: أولاً: تعرض النسخ الآشورية الثلاث عدداً من القراءات المتنوعة، التي تسللت إلى النص منذ كتابة الوثائق الأصلية. ثانياً: كانت أشكال الحروف في الوثائق الأصلية من طراز قديم، ولم يكن النسّاخ الآشوريون يعرفون دائماً مرادفاتها الحديثة، لذا تركوا بعضها في شكلها الكهنوتی (الهيراطيقي) الأصلي. ثالثاً: هناك عدد من الجمل التي كانت في الأصل شروحاً تفسيرية للموضوعات؛ وقبل صنع النسخ الآشورية كانت هذه الشروح قد دُمجت بالفعل في النص وضاع غرضها الأصلي. ويجب ملاحظة أن الكاتب الآشوري قد سجل لنا تقسيمات الأسطر في الوثائق الأصلية.
وعند فحص تكوين النص، تظهر بعض الخصائص المميزة التي تدل بالمثل على قدمه البالغ، ومنها الاستخدام المستمر لضمير الرفع المنفصل؛ ففي العصور اللاحقة كان يُشار إلى ذلك عادةً بصيغة الفعل دون التصريح بالضمير. وبمقارنة نص الطوفان مع نصوص مؤرخة من عهد سرجون الأول، يبدو أنه أقدم منها، ولا يمكن وضع تأليفه الأصلي في تاريخ لاحق للقرن السابع عشر قبل العصر المسيحي، بينما قد يكون أقدم من ذلك بكثير. ويدعي النص نفسه أنه ينتمي لعهد ملك كُتب اسمه برموز "مونوغرام" أعجز عن قراءتها صوتياً؛ لذا أدعوه مؤقتاً بالقيم الشائعة لرموز اسمه: "إزدوبار" (جلجامش).
ويبدو "إزدوبار" من وصف حكمه أنه ينتمي للحقبة الأسطورية؛ فمن الأساطير الواردة في هذه الألواح: عرض الزواج الذي قدمته له الإلهة "عشتار"، والوحوش التي عاشت في ذلك الزمان، ورؤيا إزدوبار للآلهة، ورحلته إلى "سيسيت" (نوح البابلي) الذي رُفع للخلود، مع رواية غريبة عن فتح أسطوري لمدينة أوروك عندما حولت الآلهة والأرواح التي تسكن المدينة أنفسها إلى حيوانات للهروب من غضب الفاتح؛ كل هذه الأمور وغيرها تظهر الطبيعة غير التاريخية لتلك الحقبة. ومن عناوين الألواح التي تروي تاريخه، أفترض أن إزدوبار عاش في الحقبة التي تلت الطوفان مباشرة، وأظن كذلك أنه ربما كان مؤسس الملكية البابلية، وربما يكون "نمرود" المذكور في الكتاب المقدس. غير أن هذا محض تخمين؛ فقد كانت هناك الكثير من القصص الخرافية المتداولة في بابل حول إزدوبار لدرجة أن وجوده نفسه قد يكون موضع شك. وتذكرني شظايا تاريخ إزدوبار -بقدر ما فحصتها حتى الآن- بمآثر وأعمال "هرقل"، وبافتراض أن نسخة "بيروسوس" التي بين أيدينا صحيحة من حيث التواريخ، فقد يكون وضع إزدوبار في تاريخ يرجع لـ 30,000 عام قبل العصر المسيحي. ولا يمكن لأي وثيقة أن تنتمي لعصر بعيد كهذا. ومع ذلك، لابد أن أساطير إزدوبار ورواية الطوفان تنتمي لفترة مبكرة جداً، فهناك إشارات للقصة في القوائم ثنائية اللغة التي أُلفت في بابل خلال الإمبراطوريات الكلدانية الأولى.
وقد يُطرح السؤال هنا: "كيف نجد وثيقة كلدانية مبكرة من أوروك نُقلت إلى نينوى، ونُسخت، ووُضعت في المكتبة الملكية هناك؟" حول هذه النقطة، يمكننا إظهار أنه كان من المعتاد لدى الآشوريين الحصول على الأعمال البابلية ونسخها، وجزء كبير من الأدب الآشوري يتكون من هذه النسخ لكتابات معيارية أقدم.
وكان لآشور بانيبال، العاهل الآشوري الذي نُسخت ألواح الطوفان في عهده، علاقات وثيقة بمدينة أوروك، فقد ظلت أوروك وفية له عندما تمردت بقية بابل، وإلى هذه المدينة أعاد آشور بانيبال تمثال الإلهة "نانا" الشهير، الذي كان العيلاميون قد استولوا عليه قبل ألف وستمائة وخمسة وثلاثين عاماً.
ولأجل فهم السبب الذي أدى لإقحام قصة الطوفان في الرواية بشكل صحيح، سيكون من الضروري إعطاء وصف موجز للألواح التي تسبقها قبل تقديم ترجمة نقش الطوفان نفسه. يظهر أن إزدوبار، بطل هذه الأساطير، قد ازدهر كما ذُكر آنفاً في الحقبة الأسطورية بعد الطوفان بوقت قصير، وكان مركز معظم مآثره مدينة أوروك، التي تسمى الآن "واركا"، ولابد أنها كانت واحدة من أقدم المدن في العالم. تُذكر أربع مدن فقط في هذه النقوش: بابل، وأوروك، وشوريباك، ونيبور. اثنتان منها، بابل وأوروك، هما أول عاصمتين لنمرود، والأخيرة نيبور -وفقاً للتلمود- هي نفسها "كلنة" مدينة نمرود الرابعة. لم أتعرف على أي شظايا من الألواح الخمسة الأولى لتاريخ إزدوبار، ولكن من المحتمل وسط كمية المواد التي جمعتها أن تنتمي بعض الأجزاء لهذا القسم من القصة.
تشكل الفقرة التالية افتتاحية اللوح السادس وتظهر أسلوب الكتابة. وقبل تقديم الترجمة، يجب أن أنوه إلى أن الألواح محطمة في مواضع مختلفة والنصوص معيبة؛ وبما أنني لا أستطيع الإشارة لكل فقرة معيبة، سأحاول توضيحها من خلال التوقف أثناء القراءة.
...... بيليسو، لقد احتقر بيليسو

كالثور صعد بلده وراءه

دمره، وهلك ذكره

خضع البلد، وبعد ذلك اعتلى العرش

وضع إزدوبار تاجه، وبعد أن اعتلى العرش

لنيل رضا إزدوبار، رفعت الأميرة عشتار عينيها.

وقالت هكذا: "يا إزدوبار، كن لي زوجاً

وكلمتك ستقيدني بالوثاق،

ستكون زوجاً وأكون لك زوجة،

ستقود عربة من حجر (الأوكني) والذهب،

هيكلها ذهب وقضيبها براق

ستركب في أيام المجد العظيم

إلى (بيتاني)، حيث تقع البلاد التي تنمو فيها أشجار الصنوبر.

(بيتاني) عند دخولك

والفرات سيقبل قدميك.

سيخضع لك ملوك وأرباب وأمراء.

سيحملون إليك خراج الجبال والسهول، والضرائب

....... سيعطونك، وقطعانك وأغنامك ستلد توائم

....... والبغل سيكون سريعاً

....... في العربة سيكون قوياً غير ضعيف

....... في النير. ولن يُسمح بمنافس."
كانت عشتار، وهي نفسها "فينوس"، ملكة الجمال، لكنها كانت متقلبة نوعاً ما، فقد كان لها بالفعل زوج، وهو إله يُدعى "ابن الحياة"؛ غير أنها أذاقته مرارة العيش، وهذا ما يذكرها به إزدوبار في رده على عرضها.
وكانت إحدى المآثر التالية لإزدوبار وخادمه "هياباني" هي قهر "الثور المجنح"، وهو وحش كان يُعتقد بوجوده في تلك الأيام؛ ولكن يجب أن أتجاوز هذا وأموراً أخرى لأقترب من موضوع الطوفان.
مع مرور الوقت، سقط إزدوبار -قاهر الملوك والوحوش وحاكم الشعوب- في مرض ما وبدأ يخشى الموت، عدو الإنسان الأكبر والأخير. وكان البابليون يؤمنون بوجود شيخ جليل (بطريرك) يُدعى "سيسيت" (وهو زيسوثروس عند اليونان)، والذي كان يُعتقد أنه قد رُفع ونال الخلود دون موت. قرر إزدوبار، وفقاً لتصورات ذلك الزمان، أن يسعى وراء سيسيت ليعرف كيف صار خالداً، لعلّه ينال شرفاً مماثلاً. ويقرأ النص كما يلي:
إزدوبار إلى هياباني خادمه

رثى بمرارة وارتمى على الأرض

أخذت الخبر من هياباني و...

دخل الوهن إلى روحي

الموت خشيتُ وارتميت على الأرض

لأجد (سيسيت) ابن (أوباراتوتو)

الطريق الذي سلكتُه ومضيتُ بفرح

إلى ظلال الجبال لجأتُ ليلاً

الآلهة رأيتُ وخشيتُ

...... إلى (سين) صليتُ

وأمام الآلهة وصل تضرعي

السلام منحوني

وأرسلوا إليّ حلماً.
إن حلم إزدوبار مشوه بشدة للأسف، ولم يتبق منه إلا شظايا قليلة، ورحلته اللاحقة ليست في حالة أفضل بكثير. ويبدو أنه مر بعدد من المغامرات، ويظهر ثلاثة رجال في موضع ما وهم يروون لبعضهم قصة هذه المغامرات.
وبعد تجوال طويل، يلتقي إزدوبار ببحار يُدعى "أورهامسي"، وهو اسم يشبه "أورخاموس" عند اليونان. يجهز إزدوبار وأورهامسي سفينة لمواصلة البحث عن سيسيت، ويبحران لمدة شهر وخمسة عشر يوماً، ويصلان إلى منطقة ما بالقرب من مصب الفرات، حيث كان يُفترض أن يقطن سيسيت. في هذه الرحلة المائية توجد مغامرات جديدة، وفي أثنائها يخبر أورهامسي إزدوبار عن "مياه الموت"، حيث صرح قائلاً: "مياه الموت لن تطهر يديك".
في الوقت الذي يقترب فيه إزدوبار وأورهامسي منه، يكون سيسيت نائماً. اللوح هنا مشوه لدرجة لا تسمح لنا بمعرفة كيف التقوا، ولكن يبدو من السياق أن سيسيت شوهد بصحبة زوجته على مسافة بعيدة، تفصل بينه وبين إزدوبار قناة مائية.
ولعدم قدرته على عبور هذا الماء الذي يفصل الفاني عن الخالد، يبدو أن إزدوبار قد نادى سيسيت وسأله سؤاله الجوهري عن الحياة والموت. إن السؤال الذي طرحه إزدوبار والجزء الأول من رد سيسيت قد ضاعا بسبب تهشم اللوح. أما الجزء الأخير من خطاب سيسيت الذي حُفظ، فيتعلق بخطر الموت وعموميته، إلخ. وينتهي كما يلي: "الإلهة (ماميتو) صانعة القدر قد قررت لهم قدرهم، لقد حددت الموت والحياة، ولكن يوم الموت غير معروف". هذه الكلمات التي تختتم خطاب سيسيت الأول تأتي بنا إلى نهاية اللوح العاشر؛ أما اللوح التالي، الحادي عشر، فهو الأهم في السلسلة، إذ يحتوي على تاريخ الطوفان.
يبدأ اللوح الحادي عشر بخطاب لإزدوبار، الذي يسأل سيسيت الآن كيف نال الخلود، وسيسيت، في رده، يروي قصة الطوفان وتقواه الشخصية كسبب لرفعه للخلود. وفيما يلي ترجمة هذا اللوح:
إزدوبار على هذا النحو قال لـ (سيسيت) في البعيد:

"...... سيسيت

الخبر اقصصه عليّ،

الخبر اقصصه عليّ،

...... إلى الوسط لشن الحرب

...... صعدتُ وراءك.

قل كيف فعلت ذلك، وفي حلقة الآلهة نلت الحياة."

سيسيت على هذا النحو قال لإزدوبار:

"سأكشف لك يا إزدوبار القصة الخفية،

وحكمة الآلهة سأرويها لك.

مدينة (شوريباك) المدينة التي أقمتها ...... وُضعت

كانت قديمة، والآلهة بداخلها

سكنت، عاصفة ...... إلههم، الآلهة العظام

.............. (آنو)

.............. (بيل)

.............. (نينيب)

.............. رب العالم السفلي

إرادتهم كشفوا في وسط ......

...... سماعاً وهو تحدث إليّ هكذا

يا رجل شوريباك ابن (أوباراتوتو)

اصنع سفينة عظيمة لك .......

سأدمر الخطاة والحياة ......

اجعل بذرة الحياة كلها تصعد إليها، للحفاظ عليهم

السفينة التي ستصنعها

... ذراعاً سيكون مقياس طولها، و

... ذراعاً مقدار عرضها وارتفاعها.

وفي اليم أطلقها."

أدركتُ وقلتُ لـ (إيا) سيدي:

"يا (إيا) سيدي، هذا الذي أمرتني به

سأنجزه، وسيكون.

......... الجيش والحشد

فتح (إيا) فمه وتحدث، وقال لي أنا خادمه:

......... ستقول لهم،

......... لقد انصرف عني و

............ ثبّت .........
هنا توجد حوالي خمسة عشر سطراً مفقودة تماماً. وربما يصف الجزء الغائب جانباً من بناء الفلك.

هي .........

والتي في .........

قوية ...... أحضرتُ

في اليوم الخامس ...... هي

في محيطها 14 مقياساً ...... جوانبها

14 مقياساً قيست ...... فوقها

وضعت سقفها عليها ...... أحطتها

ركبتُ فيها، للمرة السادسة أنا ...... للمرة السابعة

إلى اليم المضطرب ...... للمرة ...

ألواحها تسربت إليها المياه بالداخل،

رأيت كسوراً وثقوباً ...... وضعتُ يدي

ثلاثة مقاييس من القار صببتها على الخارج،

ثلاثة مقاييس من القار صببتها على الداخل

ثلاثة مقاييس أخذها الرجال الحاملون سلالها، هم ...... ثبتوا مذبحاً

كشفتُ المذبح ...... المذبح للقربان

مقياسان للمذبح ...... (بازيرو) الملاح

من أجل ......... ذبحت ثيراناً

من ......... في ذلك اليوم أيضاً

............ مذبح وعنب

............ كمياه النهر و

............ كاليوم غطيتُ و

.... عندما .... التغطية وضعتُ يدي،

.... و(شماش) .... اكتملت مواد السفينة،

......... قوية و

القصب فرشته فوقاً وتحتاً.

.... دخل في ثلثيها.

كل ما ملكتُ جمعتُه، كل ما ملكتُ جمعتُه من فضة،

كل ما ملكتُ جمعتُه من ذهب،

كل ما ملكتُ جمعتُه من بذرة الحياة، الكل

جعلتُهم يصعدون إلى السفينة، كل خدمي من ذكور وإناث،

وحوش البرية، حيوانات البرية، وأبناء الجيش كلهم، جعلتُهم يصعدون.

طوفاناً صنع (شماش)، و

تحدث قائلاً في الليل: "سأجعلها تمطر من السماء بشدة؛

ادخل إلى وسط السفينة، وأوصد بابك."

طوفاناً أثار، و

تحدث قائلاً في الليل: "سأجعلها تمطر من السماء بشدة."

في اليوم الذي احتفلتُ فيه بعيده

اليوم الذي كان قد حدده؛ تملكني الخوف،

دخلتُ إلى وسط السفينة، وأوصدتُ بابي؛

لتوجيه السفينة، لـ (بوزورساديرابي) الملاح،

القصر سلمته ليده.

هياج عاصفة في الصباح

نشأ، من أفق السماء ممتداً وواسعاً

(فول/أداد) في وسطها أرعد، و

(نبو) و(سارو) سارا في المقدمة؛

حملة العرش عبروا الجبال والسهول؛

المهلك (نيرجال) قلب الأركان؛

(نينيب) سار في المقدمة، وأطاح؛

الأرواح حملت الدمار؛

في جلالهم كنسوا الأرض؛

من (فول) الطوفان، وصل إلى السماء؛

الأرض المضيئة إلى قفر استحالت؛

سطح الأرض، مثل .... كنسه؛

دمر كل حياة، من وجه الأرض .....

الإعصار العاتي فوق الناس، وصل إلى السماء.

الأخ لم يرَ أخاه، ولم تشفق على الناس. في السماء

خافت الآلهة من الإعصار، و

التمسوا ملجأً؛ صعدوا إلى سماء (آنو).

الآلهة، كالكلاب بذيول مختبئة، قبعوا أرضاً.

ألقت (عشتار) خطبة،

نادت الإلهة العظيمة بقولها:

"لقد تحول العالم إلى الخطيئة، و

حينها أنا في حضرة الآلهة تنبأت بالشر؛

عندما تنبأت في حضرة الآلهة بالشر،

للشر نُذر كل شعبي، وتنبأتُ

هكذا: 'أنا قد أنجبتُ الإنسان فليته لا

كأبناء الأسماك يملأ البحر'."

الآلهة بشأن الأرواح، كانوا يبكون معها:

الآلهة في مجالسهم، قعدوا في رثاء؛

غُطيت شفاههم من أجل الشر القادم.

ستة أيام وليالٍ

مرت، والريح والإعصار والطوفان يغمرون،

في اليوم السابع في مساره، هدأ الإعصار، وكل العاصفة

التي دمرت كزلزال،

سكنت. البحر جعله يجف، والريح والإعصار انتهيا.

كنتُ أُحمل عبر البحر. فاعل الشر،

وكل البشرية الذين تحولوا للخطيئة،

كالقصب طفت جثثهم.

فتحتُ النافذة واقتحم الضوء، فوق ملجئي

عبر، جلستُ ساكناً و

فوق ملجئي حل السلام.

حُملتُ فوق الشاطئ، عند تخوم البحر.

لاثني عشر مقياساً صعد فوق الأرض.

إلى بلاد (نيزير)، ذهبت السفينة؛

جبل (نيزير) أوقف السفينة، ولم تستطع العبور فوقه.

اليوم الأول واليوم الثاني، جبل (نيزير) هو نفسه.

اليوم الثالث واليوم الرابع، جبل (نيزير) هو نفسه.

الخامس والسادس، جبل (نيزير) هو نفسه.

في اليوم السابع في مساره

أرسلتُ حمامة، فانطلقت. ذهبت الحمامة وبحثت و

مستقراً لم تجد، فعادت.

أرسلتُ سنونو، فانطلق. ذهب السنونو وبحث و

مستقراً لم يجد، فعاد.

أرسلتُ غراباً، فانطلق.

ذهب الغراب، والجثث فوق المياه رأى، و

فأكل، وحام، وابتعد، ولم يعد.

أطلقتُ الحيوانات للرياح الأربعة وسكبتُ قرباناً

بنيتُ مذبحاً على قمة الجبل،

بسبعةٍ من الأعشاب قطعتُ،

في قاعها، وضعتُ القصب والصنوبر و(سيمجار).

الآلهة اجتمعت عند احتراقه، الآلهة اجتمعت عند احتراقه الطيب.

الآلهة كالذباب فوق الذبيحة تجمعوا،

منذ القديم أيضاً، الإله العظيم في مساره،

السطوع العظيم لـ (آروم) كان قد خلق؛ عندما جلال

هؤلاء الآلهة، كحجر (الأوكني)، على وجهي لم أستطع احتماله؛

في تلك الأيام صليتُ ألا أحتمل للأبد.

عسى الآلهة أن تأتي لمذبحي؛

عسى (بيل) ألا يأتي لمذبحي

لأنه لم يتدبر وصنع إعصاراً

وشعبي قد أودى بهم إلى اليم

منذ القديم، أيضاً (بيل) في مساره

رأى السفينة، ومضى (بيل) والغيظ يملؤه نحو الآلهة والأرواح؛

لا تدعوا أحداً يخرج حياً، لا تدعوا رجلاً ينجو من اليم.

(نينيب) فتح فمه وتحدث، وقال للمحارب (بيل):

'من إذاً سينجو؟' (إيا) الكلمات فهم،

و(إيا) علم كل الأشياء،

(إيا) فتح فمه وتحدث، وقال للمحارب (بيل):

'أنت يا أمير الآلهة، أيها المحارب،

عندما تغضب تصنع إعصاراً،

فاعل الخطيئة فعل خطيئته، فاعل الشر فعل شره،

عسى الشامخ ألا يُكسر، عسى الأسير ألا يُسلم؛

بدلاً من أن تصنع إعصاراً، عسى الأسود تكثر والناس يقلون؛

بدلاً من أن تصنع إعصاراً، عسى النمور تكثر والناس يقلون؛

بدلاً من أن تصنع إعصاراً، عسى مجاعة تحدث والبلاد تدمر؛

بدلاً من أن تصنع إعصاراً، عسى طاعون يستشري والناس يهلكون.'

أنا لم أنظر في حكمة الآلهة،

خاشعين ومنتبهين حلماً أرسلوا، وحكمة الآلهة هو سمع.

عندما اكتمل حكمه، صعد (بيل) إلى وسط السفينة،

أخذ بيدي وأخرجني، أنا

أخرجني، وجعل زوجتي تأتي إلى جانبي،

طهر البلاد، وثبّت في عهد وأخذ الناس

في حضرة (سيسيت) والناس.

عندما (سيسيت) وزوجته والناس ليكونوا كالآلهة رُفعوا بعيداً،

عندها سكن (سيسيت) في مكان ناءٍ عند مصب الأنهار.

أخذوني وفي مكان ناءٍ عند مصب الأنهار أجلسوني.

عندما إليك يا من اختارتك الآلهة، و

الحياة التي سعيت وراءها، ستنالها

افعل هذا، لستة أيام وسبع ليالٍ

كما أقول أيضاً، في قيود قيده

الطريق كالعاصفة سيوضع عليه."

سيسيت على هذا النحو، قال لزوجته:

"أعلنُ أن القائد الذي يتشبث بالحياة

الطريق كالعاصفة سيوضع عليه."

زوجته على هذا النحو، قالت لـ (سيسيت) في البعيد:

"طهره ودع الرجل ينطلق بعيداً،

الطريق الذي جاء منه، عساه يعود بسلام،

البوابة العظيمة افتح، وعساه يعود لبلده."

سيسيت على هذا النحو، قال لزوجته:

"صرخة رجل تذعركِ،

افعلي هذا، ثوبه القرمزي ضعيه على رأسه."

وفي اليوم الذي صعد فيه جانب السفينة

فعلت، ثوبه القرمزي وضعته على رأسه،

وفي اليوم الذي صعد فيه على جانب السفينة،

تصف الأسطر الأربعة التالية سبعة أمور فُعلت لإزدوبار قبل أن يتطهر. الفقرة غامضة ولا تتعلق بالطوفان، لذا لم أترجمها.
وعلى هذا النحو، قال "إزدوبار" لـ "سيسيت" في البعيد:

"هكذا فعلتْ هي، وها أنا ذا قد صعدتُ

بابتهاج، وقوتِي أنتَ تمنحني إياها."

وعلى هذا النحو، قال "سيسيت" لـ "إزدوبار":

. . . . . . . . . . . ثوبك القرمزي

. . . . . . . . . . . لقد آويتُك

. . . . . . . . . . .

أما الأسطر الخمسة التالية، وهي مهشمة، فتشير مرة أخرى إلى الأمور السبعة الخاصة بتطهير إزدوبار؛ وهذا الجزء، كسابقه، لن أقوم بترجمته.

وعلى هذا النحو، قال "إزدوبار" لـ "سيسيت" في البعيد:

. . . . . . . . . . يا سيسيت، ألا يجوز لنا المجيء إليك؟
من هنا يصبح النص مهشماً للغاية، وسيكون من الأفضل تقديم وصف عام لمحتوياته بدلاً من محاولة ترجمة دقيقة، لا سيما وأن هذا الجزء ليس بأهمية الجزء السابق من اللوح.

تذكر الأسطر 221 و223 شخصاً ما أُخذ ليقيم مع "الموت". والألسطر من 224 إلى 235 تقدم خطاباً من "سيسيت" إلى البحار "أورهامسي"، يوجهه فيه إلى كيفية علاج إزدوبار، الذي يبدو من الفقرات المحطمة أنه كان يعاني من شكل من أشكال الأمراض الجلدية. وكان على إزدوبار أن يغسل في البحر، وعندها ستسري المسحة الجمالية فوق جلده مرة أخرى. وفي الأسطر من 236 إلى 241، سُجل تنفيذ هذه التوجيهات وعلاج إزدوبار.
ثم يقرأ اللوح كما يلي:

ركب "إزدوبار" و"أورهامسي" في القارب

وحيث وضعوهما أبحروا

وعلى هذا النحو، قالت زوجته لـ "سيسيت" في البعيد:

"إزدوبار يرحل بعيداً، لقد نال مبتغاه، إنه ينجز

ما أعطيتَه إياه ويعود إلى بلده."

ولقد سمع هو، وبعد ذلك مضى إزدوبار

نحو الشاطئ

وعلى هذا النحو، قال "سيسيت" لـ "إزدوبار":

"يا إزدوبار، أنت ترحل بعيداً وقد نلتَ مبتغاك، وأنت تنجز

ما أعطيتُك إياه وتعود إلى بلدك

لقد كشفتُ لك يا إزدوبار القصة الخفية."
أما الأسطر من 253 إلى 262، وهي مهشمة جداً، فتقدم خاتمة خطاب سيسيت، ثم تذكر أنه بعد سماعه، أخذ إزدوبار حجارة كبيرة وكدسها لتكون تذكاراً لهذه الأحداث.
والأسطر من 263 إلى 289 تعطي في حالة متهالكة جداً الخطابات والأفعال اللاحقة لإزدوبار وأورهامسي. وفي هذا الجزء تذكر رحلات مسافتها 10 و20 "كاسبو" (أي 70 و140 ميلاً)؛ كما يذكر أسد، ولكن لا توجد إشارة أخرى للطوفان. وبذلك تنتهي النقوش، ويتبعها حاشية ختامية تعطي عنوان اللوح التالي، وتصريحاً بأن هذا اللوح (لوح الطوفان) هو اللوح الحادي عشر في السلسلة التي تروي تاريخ إزدوبار، وأنه نسخة من نقش قديم.
وقبل الخوض في تفاصيل اللوح، يجب أن أشير أولاً إلى روايات الطوفان الواردة في الكتاب المقدس، ولدى "بيروسوس" المؤرخ الكلداني، حيث سيتعين عليّ مقارنتها بالسجل المسماري.
إن رواية الطوفان في الكتاب المقدس، الواردة في الإصحاحات من السادس إلى التاسع من سفر التكوين، هي بالطبع مألوفة لنا جميعاً، لذا سأكتفي بتقديم موجز للرواية. وفقاً لسفر التكوين، مع تكاثر الإنسان على الأرض، انحرف الجنس البشري كله نحو الشر، باستثناء عائلة نوح. وبسبب شر الإنسان، عزم الرب على تدمير العالم بطوفان، وأمر نوحاً ببناء فلك طوله 300 ذراع، وعرضه 50 ذراعاً، وارتفاعه 30 ذراعاً. دخل نوح هذا الفلك وفقاً لأمر الرب، آخذاً معه عائلته، وأزواجاً من كل حيوان. وبعد سبعة أيام بدأ الطوفان في السنة الست مئة من عمر نوح، في اليوم السابع عشر من الشهر الثاني، وبعد 150 يوماً استقر الفلك على جبال أراراط، في اليوم السابع عشر من الشهر السابع. ثم قيل لنا إنه بعد 40 يوماً فتح نوح نافذة الفلك وأرسل غراباً لم يعد. ثم أرسل حمامة، فلم تجد مستقراً لباطن قدمها، فعادت إليه. وبعد سبعة أيام أرسل الحمامة مرة ثانية، فعادت إليه وفي فمها ورقة زيتون. ومرة أخرى، بعد سبعة أيام، أرسل الحمامة التي لم تعد إليه أبداً. وجف الطوفان في السنة الواحد والست مئة، في اليوم الأول من الشهر الأول، وفي اليوم السابع والعشرين من الشهر الثاني، خرج نوح من الفلك ثم بنى مذبحاً وقدم محرقات.
أما الرواية الكلدانية للطوفان، كما أوردها "بيروسوس"، فقد أخذتها من كتاب "شظايا قديمة" لكوري (الصفحات 26 إلى 29)، وهي كالآتي: "بعد وفاة أرداتيس، حكم ابنه زيسوثروس ثمانية عشر (ساري). وفي وقته حدث طوفان عظيم، يوصف تاريخه هكذا: ظهر له الإله (كرونوس) في رؤيا، وحذره من أنه في اليوم الخامس عشر من شهر (دايسيوس)، سيكون هناك طوفان يُدمر به الجنس البشري. وبناءً عليه، أمره أن يكتب تاريخاً لبدء كل شيء وسيرورته وخاتمته؛ وأن يدفنه في مدينة الشمس في (سيبارا)؛ وأن يبني سفينة، ويأخذ معه فيها أصدقاءه وأقاربه؛ وأن يحمل على متنها كل ما هو ضروري للبقاء على قيد الحياة، مع جميع أنواع الحيوانات المختلفة، طيوراً ودواباً، ويأتمن نفسه دون خوف لليم. وإذ سأل الإله إلى أين سيبحر؟ جاءه الجواب: 'إلى الآلهة'؛ وعندها رفع صلاة من أجل خير البشرية. ثم أطاع التحذير الإلهي، وبنى سفينة طولها خمسة مراحل وعرضها مرحلتان. ووضع فيها كل ما أعده: وفي النهاية حمل إليها زوجته وأطفاله وأصدقاءه.
وبعد أن حل الطوفان على الأرض، وانحسر بمرور الوقت، أرسل زيسوثروس طيوراً من السفينة، فإذ لم تجد طعاماً ولا مكاناً تستقر عليه أقدامها، عادت إليه ثانية. وبعد فاصل من بضعة أيام أرسلها مرة ثانية، فعادت هذه المرة وأقدامها ملطخة بالطين. وحاول للمرة الثالثة مع هذه الطيور، لكنها لم تعد إليه أبداً: ومن ذلك استنتج أن سطح الأرض قد ظهر فوق المياه. وعليه، صنع فتحة في السفينة، وعند تطلعه وجد أنها جنحت على جانب جبل ما، فغادرها على الفور مع زوجته وابنته والملاح. ثم قدم زيسوثروس عبادته للأرض، وبعد أن أنشأ مذبحاً، قدم قرابين للآلهة، واختفى مع أولئك الذين خرجوا من السفينة معه. أما الذين بقوا بالداخل، فإذ وجدوا أن رفاقهم لم يعودوا، غادروا السفينة بكثير من النحيب، ونادوا باستمرار على اسم زيسوثروس. لم يروه بعد ذلك؛ لكنهم استطاعوا تمييز صوته في الهواء، وسمعوه يوصيهم بإيلاء الاعتبار الواجب للدين؛ كما أعلمهم أنه بسبب تقواه رُفع ليعيش مع الآلهة، وأن زوجته وابنته والملاح قد نالوا الشرف ذاته. وأضاف إلى ذلك أنه يجب عليهم العودة إلى بابل، وكما قُدّر، يبحثوا عن الكتابات في سيبارا، والتي يجب عليهم إعلانها لجميع البشر؛ علاوة على ذلك، أن المكان الذي كانوا فيه هو أرض أرمينيا. أما البقية، فبعد سماع هذه الكلمات، قدموا قرابين للآلهة، واتخذوا مساراً دائرياً وارتحلوا نحو بابل. وإذ جنحت السفينة هكذا في أرمينيا، فإن جزءاً منها لا يزال باقياً في الجبال الكوركيرية."
وفي الصفحتين 33 و34 من شظايا كوري توجد نسخة ثانية، كما يلي: "ثم (سيسيتوروس). تنبأ له إله (كرونوس) أنه في اليوم الخامس عشر من شهر (دايسيوس) سيكون هناك طوفان من المطر: وأمره بإيداع جميع الكتابات أياً كانت التي في حوزته، في مدينة الشمس في سيبارا. وسيسيتوروس، عندما امتثل لهذه الأوامر، أبحر على الفور إلى أرمينيا، وسرعان ما ألهمه الله. وفي اليوم الثالث بعد انقطاع المطر، أرسل سيسيتوروس طيوراً، على سبيل التجربة، لكي يحكم ما إذا كان الطوفان قد انحسر. لكن الطيور إذ حلقت فوق بحر لا حدود له، دون أن تجد أي مكان للراحة، عادت ثانية إلى سيسيتوروس. وكرر هذا مع طيور أخرى. وعندما نجح في المحاولة الثالثة، لأن الطيور عادت حينها وأقدامها ملطخة بالطين، رفعه الآلهة من بين الرجال. وفيما يخص السفينة، التي لا تزال باقية في أرمينيا، فمن عادة السكان صنع أساور وتمائم من خشبها."
توجد عدة روايات أخرى للطوفان في تقاليد مختلف الأمم القديمة؛ غير أنها ليست بمثل كمال ولا دقة رواية بيروسوس، وتفاصيلها بقدر ما هي معطاة تختلف بشكل أكبر عن رواية الكتاب المقدس، لذا لن ألتفت إليها الآن، بل سأنتقل فوراً إلى فحص النص.
عند مقارنة نص "لوح الطوفان" بالروايات في الكتاب المقدس وبيروسوس، فإن النقطة الأولى التي تواجهنا هي النظر في الأسماء العلم. وهذا هو الجزء الأقل إرضاءً في الموضوع، فبينما تظهر الأشكال اليونانية قراءات متباينة ومن الواضح أنها تعرضت للتحريف، فإن الأسماء المسمارية من ناحية أخرى، لكونها مكتوبة في الغالب برموز "مونوغرام"، يصعب قراءتها صوتياً. إن والد بطل الطوفان يحمل في النقوش اسم (أوبارا-توتو) الذي يجب أن يقابل أحد الأشكال اليونانية، (أوتيارتس) أو (أرداتس)؛ غير أن التشابه لا يمكن وصفه بالوثيق. أما بطل الطوفان فقد أسميته مؤقتاً "سيسيت"؛ وهو يقابل بالطبع (زيسوثروس) اليوناني، ولكن لا يمكن إجراء مقارنة بين الاسمين حتى نعرف القراءة الصوتية للاسم المسماري. ولا يبدو أن للأسماء المسمارية ولا اليونانية أي صلة بـ (لامك) و(نوح) المذكورين في الكتاب المقدس. وفي استهلال قصة الطوفان، هناك اختلاف ملحوظ بين الرواية المسمارية ورواية الكتاب المقدس، فبينما يُذكر في الرواية اليهودية إله واحد فقط، يذكر النقش المسماري جميع الآلهة الرئيسيين في مجمع الآلهة البابلي المبكر بوصفهم مشتركين في إحداث الطوفان.
وتتفق الرواية المسمارية مع رواية الكتاب المقدس في جعل الطوفان عقاباً إلهياً لشر العالم؛ وهذه النقطة حُذفت من روايات بيروسوس اليونانية.
وإذ عزمت الآلهة على الطوفان، فإن الإله الذي أسميناه مؤقتاً حتى الآن (إيا) يعلن الحدث القادم لسيسيت. والآن، في رواية بيروسوس، يُذكر أن الإله الذي يعلن الطوفان هو (كرونوس)؛ لذا فإن هذه الفقرة تعطينا الاسم المسماري للإله الذي حدده اليونانيون بكرونوس. وتذكر الرواية اليونانية أن إبلاغ الطوفان القادم تم في حلم. ومن السياق، يرجح أن الرواية المسمارية ذكرت الشيء نفسه، لكن النص هنا مهشم بحيث لا يمكن البت في هذه النقطة.
أما أبعاد السفينة في النقش فقد ضاعت للأسف بسبب كسر أدى لفقدان الرقمين معاً؛ والفقرة، التي لولا ذلك لكانت كاملة، تظهر أن الأبعاد قد عُبر عنها بالأذرع كما في رواية الكتاب المقدس، ولكن بينما يجعل سفر التكوين الفلك بعرض 50 ذراعاً وارتفاع 30 ذراعاً، يذكر النقش أن الارتفاع والعرض كانا متساويين.
إن الجزء الأكبر من وصف بناء الفلك قد ضاع. وفي الجزء الأخير من الرواية المحفوظة، هناك ذكر لتجربة السفينة بإطلاقها في البحر، وعندما وُجدت عيوب تُسرب الماء، طُلي الخارج والداخل بالقار. وهذه التفاصيل ليس لها مثيل لا في الكتاب المقدس ولا عند بيروسوس. ويتفق وصف ملء الفلك بشكل عام مع الروايتين الأخريين، لكنه يختلف عن سفر التكوين في عدم ذكر "السبعات" من الحيوانات الطاهرة وفي تضمين آخرين بجانب عائلة الباني.
أما الشهر واليوم اللذان بدأ فيهما الطوفان، واللذان ذُكرا في الكتاب المقدس وبيروسوس، فلا يذكران في النص، ما لم يكن "اليوم الخامس" المذكور في فقرة مهشمة جزءاً من هذا التاريخ.
إن وصف الطوفان في هذا النقش حي للغاية؛ ويُقال إنه كان رهيباً لدرجة أن الآلهة، خشيةً منه، صعدت إلى سماء (آنو)، أي السماء العليا والأبعد، وقد سُجل هلاك الجنس البشري، وقيل إن جثث الأشرار طفت على سطح الطوفان.
وفيما يتعلق بمدة الطوفان، يبدو أن هناك اختلافاً جوهرياً بين الكتاب المقدس والنقش. فوفقاً للرواية في سفر التكوين، بدأ الطوفان في اليوم السابع عشر من الشهر الثاني، واستقر الفلك على أراراط بعد مئة وخمسين يوماً في اليوم السابع عشر من الشهر السابع، ولم يكن الجفاف الكامل للطوفان إلا في اليوم السابع والعشرين من الشهر الثاني في العام التالي. ومن ناحية أخرى، يذكر النقش أن الطوفان انحسر في اليوم السابع، وأن السفينة بقيت سبعة أيام على الجبل قبل إرسال الطيور.
وحول هذه النقطة، يجب ملاحظة أن بعض نقاد الكتاب المقدس يرون أن هناك نسختين لقصة الطوفان في سفر التكوين نفسه، وأن هاتين النسختين تختلفان فيما يخص مدة الطوفان. أما رواية بيروسوس اليونانية فهي صامتة بشأن مدة الطوفان.
وفيما يتعلق بالجبل الذي استقر عليه الفلك، هناك اختلاف بين الكتاب المقدس والنقش، وهو اختلاف ظاهري أكثر منه حقيقياً. يذكر سفر التكوين أن الفلك استقر على جبال أراراط. ووفقاً للتصور الشائع، يشير هذا إلى جبل أراراط في أرمينيا؛ لكن هذه الجبال ربما كانت في أي مكان ضمن إقليم أراراط القديم، وبعض المفسرين بالنظر إلى فقرة بيروسوس، حيث يُذكر أن الفلك استقر في الجبال الكوردية (Gordiaean)، مالوا إلى وضع الجبل المقصود في الجبال الكردية، شرقي آشور. وتماشياً مع هذا المؤشر، يذكر النقش أن السفينة استقرت على جبل (نيزير).
والآن، يمكن تحديد موقع (نيزير) من نقش آشور ناصربال، ملك آشور. فقد قام بحملة إلى هذه المنطقة، وانطلاقاً من مدينة آشورية قرب أربيل، عبر الزاب الأسفل، وزاحفاً شرقاً بين خطي عرض 35 و36، وصل إلى جبال نيزير. وهكذا تقع جبال نيزير هذه شرقي آشور، لكنها تشكل جزءاً من سلسلة من السلاسل الجبلية الممتدة نحو الشمال الغربي إلى أرمينيا.
وإذ جنحت السفينة على الجبل، فإن الكتاب المقدس وبيروسوس والنقش يتفقون جميعاً على أن تجربة قد أُجريت بواسطة الطيور من أجل التأكد مما إذا كان الطوفان قد انحسر؛ ولكن في تفاصيل هذه التجارب توجد اختلافات غريبة في الروايات الثلاث كلها. فوفقاً لسفر التكوين، أُرسل غراب أولاً لم يعد؛ ثم أُرسلت حمامة، فإذ لم تجد مستقراً عادت إلى نوح. وبعد سبعة أيام أُرسلت الحمامة ثانية، وعادت بورقة زيتون؛ وبعد سبعة أيام أخرى، عند إرسال الحمامة مرة ثالثة، لم تعد أبداً.
وتذكر رواية بيروسوس إرسال الطيور، لكنها لا تذكر أي الأنواع قد جُربت. وفي المحاولة الأولى قيل إن الطيور عادت، وفي المحاولة الثانية كذلك، وهذه المرة والطين على أقدامها. وفي المرة الثالثة لم تعد.
أما النقش فيذكر أنه، أولاً، أُرسلت حمامة، فإذ لم تجد مستقراً عادت. وفي المرة الثانية أُرسل سنونو، وعاد أيضاً. وفي المرة الثالثة أُرسل غراب، وإذ تغذى على الجثث الطافية فوق الماء، هام بعيداً ولم يعد. وبذلك، يتفق النقش مع الكتاب المقدس حول إرسال الغراب والحمامة، لكنه يضيف إليهما تجربة السنونو، التي لا توجد في سفر التكوين. وفي عدد المحاولات يتفق مع بيروسوس، الذي لديه ثلاث، بينما لدى سفر التكوين أربع. ومن ناحية أخرى، لا يوجد ذكر لعودة الحمامة بورقة زيتون، كما في سفر التكوين، ولا لتلطخ أقدام الطيور بالطين، كما في بيروسوس.
وفي ذكر بناء المذبح، وتقديم القربان بعد مغادرة الفلك، تتفق الروايات الثلاث كلها؛ ولكن في الأمر اللاحق يوجد اختلاف هام بين الكتاب المقدس والنقش، فبينما يصور الكتاب المقدس نوحاً وهو يعيش لسنوات عديدة بعد الطوفان، فإن النقش من ناحية أخرى يتفق مع بيروسوس في جعل "سيسيت" يُرفع كالآلهة. وهذا الرفع قد سُجل في الكتاب المقدس لـ (أخنوخ)، جد نوح.
وبمراجعة الأدلة، يتضح أن أحداث الطوفان المروية في الكتاب المقدس والنقش هي نفسها، وتحدث بالترتيب نفسه؛ لكن الاختلافات الطفيفة في التفاصيل تظهر أن النقش يجسد تقليداً متميزاً ومستقلاً.
ورغم التشابه المذهل في الأسلوب، والذي يظهر في عدة مواضع، فإن الروايتين تنتميان لشعوب متميزة تماماً. فرواية الكتاب المقدس هي نسخة شعب داخلي؛ فاسم الفلك في سفر التكوين يعني صندوقاً أو تابوتاً، وليس سفينة؛ ولا توجد إشارة للبحر، أو لإطلاق السفينة، ولا ذكر للملاحين، ولا ذكر للملاحة. أما النقش من ناحية أخرى فينتمي لشعب بحري، فالفلك يسمى سفينة، والسفينة تُطلق في البحر، وتُجرى تجربتها، وتُوضع تحت عهدة ملاح.
والنقش المسماري، بعد تقديم تاريخ الطوفان وصولاً لتضحية سيسيت عند خروجه من الفلك، يعود للجزء السابق من القصة، ويذكر الإله (بيل) بشكل خاص بوصفه صانع العاصفة أو الطوفان؛ ويبدو أن هناك عدم اتساق طفيف بين هذا والجزء السابق من النقش، مما يوحي بسؤال عما إذا كانت الرواية الكلدانية نفسها قد جُمعت من روايتين متميزتين وأقدم.
ومن اللافت أن أقدم تقاليد البابليين الأوائل يبدو أنها تتركز حول الخليج الفارسي. فمن هذا البحر، يُفترض أن إله السمك (أوانيس) قد برز، والوحوش المركبة الذين تبعوه في حقبة ما قبل الطوفان جاءوا من المنطقة نفسها. وفي هذا البحر أُطلقت السفينة، وبعد انحسار الطوفان ورفع سيسيت للخلود، سكن في هذا الجوار. وإلى هذا البحر أيضاً جاء البطل العظيم إزدوبار، وشُفي، وهنا سمع قصة الطوفان.
وختاماً، أود أن أشير إلى أن رواية الطوفان هذه تفتح لنا مجالاً جديداً للبحث في الجزء الباكر من تاريخ الكتاب المقدس. لطالما طُرح السؤال: "ما هو أصل روايات ما قبل الطوفان، بأعمارهم المديدة التي تزيد عدة مرات عن أطول عمر بشري؟ أين كانت الجنة، مستقر الأبوين الأولين للبشرية؟ من أين تأتي قصة الطوفان، الفلك، الطيور؟" لقد قُدمت إجابات متضاربة متنوعة لهذه الأسئلة الهامة، بينما كانت الأدلة حول هذه الموضوعات قبل العصر اليوناني غائبة تماماً. إن النقوش المسمارية تسلط الآن ضوءاً جديداً على هذه الأسئلة، وتوفر مادة سيتعين على علماء المستقبل العمل عليها. وتلو هذا النقش، يمكننا توقع اكتشافات أخرى كثيرة تلقي الضوء على هذه العصور القديمة، حتى نتمكن من تشكيل رأي حاسم حول العديد من الأسئلة الكبرى المنطوية تحتها. وسيكون من الخطأ افتراض أنه بترجمة وتعليق على نقش كهذا ينتهي الأمر. فأصل الأسطورة وعمرها وتاريخها يجب تتبعها، ويجب مقارنتها بالعديد من القصص المماثلة المتداولة بين مختلف الأمم.
كل هذه الروايات، جنباً إلى جنب مع أجزاء كبيرة من الميثولوجيات القديمة، لها في اعتقادي أصل مشترك في سهول كلديا. هذا البلد مهد الحضارة، ومنبت الفنون والعلوم، ظل لـ 2,000 عام أطلالاً؛ وأدبه، الذي يضم أثمن سجلات الأقدمين، بالكاد نعرفه، إلا من خلال النصوص التي نسخها الآشوريون، ولكن تحت تلاله ومدنه المدمرة، التي تنتظر الآن الاستكشاف، ترقد -بجانب نسخ أقدم من نص الطوفان هذا- أساطير وتواريخ أخرى لأقدم حضارة في العالم.
الفئة: أرشف الاديان القديمة | مشاهده: 23 | أضاف: salmaanwer670 | علامات: ملحمة جلجامش, الميثولوجيا المقارنة, الرواية الكلدانية للطوفان, أسطورة الطوفان, أساطير التوراة, تهويد النصوص, أدب بابلي, جورج سميث | الترتيب: 0.0/0
مجموع التعليقات: 0
📜 شاركنا برأيك في هذا البحث
اترك تعليقا سريعا دون الافصاح عن هويتك
انضم للنقاشات العلمية من خلال اثبات هويتك
avatar
Eagle
Copyright MyCorp © 2026
Eagle
شارك الموضوع
نسخ
تصوير
نسخ النص
تصوير الاقتباس