أرشيف المعارف

مكتبة المعرفة الإنسانية

Eagle Mobile
إحصائية الموقع
المتواجدون الآن:
-- زائر

المستخدمين:

15:31
القانون البابلى : شريعة حمورابى

إن المادة المتوافرة لدراسة القانون البابلي واسعة على نحوٍ فريد، وإن لم تكن شاملة استيفاءً تامًّا. فـ«العقود» المسمّاة بهذا الاسم، والتي تشمل طيفًا عريضًا من الصكوك والوثائق وقيود التمليك وسندات الدين والإيصالات والحسابات، والأهم من ذلك كله الأحكام القضائية الفعلية التي أصدرها القضاة في المحاكم، موجودة بالآلاف. كما توفّر النقوش التاريخية، والمواثيق الملكية والمراسيم، والرسائل الرسمية، والمكاتبات الخاصة، والأدب العام معلومات تكميلية ثمينة. بل إن المؤلفات النحوية والمعجمية، التي وُضعت أساسًا لتيسير دراسة الأدب القديم، تحتوي على مقتطفات كثيرة أو جمل قصيرة تتصل بالقانون والعرف. وهكذا حُفظ ما يُسمّى «قوانين الأسرة السومرية». غير أنّ اكتشاف شريعة حمورابي الشهيرة – التي سنشير إليها لاحقًا اختصارًا بـ«الشريعة» – قد أتاح دراسة أكثر منهجية مما كان ممكنًا من خلال تصنيف المواد الأخرى وتأويلها. وقد عُثر على شذرات من قانون لاحق ونُشرت، إلا أنّ كثيرًا من المسائل لا تزال بلا دليل قاطع.   

وترجع هذه المادة إلى أقدم العصور حتى مطلع عصرنا الميلادي. وقد تكون الأدلة على مسألة معينة وافرة في فترة ما، وتكاد تنعدم في فترة أخرى. وتشكل الشريعة العمود الفقري للصورة الهيكلية التي يُعاد بناؤها هنا. وتُظهر الشذرات التي استُخرجت من مكتبة آشوربانيبال في نينوى والنسخ البابلية اللاحقة أنّ الشريعة كانت تُدرَس وتُقسّم إلى فصول تحمل عنوان «نينو إيلو سيروم» نسبة إلى كلماتها الافتتاحية، وأنها نُسخت وأُعيد نسخها لما يزيد على ألف وخمسمائة عام. وقد ظلّ معظمها نافذًا حتى خلال الفتوحات الفارسية واليونانية والبارثية، التي لم تؤثر كثيرًا في الحياة الخاصة في بابل، وبقي لها أثرها في القانون السوري–الروماني ثم في القانون الإسلامي اللاحق في بلاد الرافدين. وسنطلق على القانون والعرف السابقين للشريعة اسم «القديم»، وعلى قانون العصر البابلي الحديث (وكذلك الفارسي واليوناني وما بعدهما) اسم «المتأخر». أما القانون الآشوري فقد اشتُق من البابلي، لكنه احتفظ بسمات قديمة طويلة الأمد بعد أن زالت في مواضع أخرى.

حين استقرت القبائل السامية في مدن بابل، انتقلت أعرافها القبلية إلى قوانين المدن. وكان تاريخ البلاد المبكر قصة صراع على السيادة بين المدن. فقد كانت العاصمة تطالب المدن التابعة لها بالجزية والدعم العسكري، لكنها تترك عباداتها المحلية وأعرافها دون مساس. وكانت حقوق المدن وتقاليدها محترمة لدى الملوك والغزاة على السواء.

وحتى زمن اعتلاء آشوربانيبال وسامس-شوم-أوكين العرش، نجد البابليين يحتكمون إلى قوانين مدنهم التي تقرّ بأن جماعات من الغرباء يصل عددها إلى عشرين شخصًا في المرة الواحدة لهم الحق في دخول المدينة، وأن المرأة الأجنبية إذا تزوجت بابليًا لا يجوز استرقاقها، وأنه لا يجوز قتل حتى كلب دخل المدينة دون محاكمة.

وكان سكان بابل منذ أقدم العصور خليطًا من أعراق متعددة، وكان التواصل بين المدن مستمرًا بلا انقطاع. وكانت في كل مدينة أعداد كبيرة من الأجانب المقيمين. ولا شك أن هذه الحرية في الاختلاط أسهمت في توحيد الأعراف، غير أن عبقرية حمورابي وحدها هي التي جعلت من بابل عاصمة كبرى، وصهرت إمبراطوريته الواسعة في نظام قانوني موحّد.

وقد زالت تقريبًا كل آثار العرف القبلي من قانون الشريعة. فهو قانون دولة؛ إذ اختفت فيه مظاهر الأخذ بالثأر، والاقتتال الدموي، والزواج بالخطف، مع بقاء سمات بدائية مثل تضامن الأسرة، والمسؤولية الجماعية للمقاطعة، والاختبار الإلهي، وقانون القصاص. وكان الملك مستبدًا مستنيرًا، يسهل الوصول إليه، قادرًا وراغبًا في حماية الضعفاء من أصحاب النفوذ. ومع ذلك، لم يكن بوسعه العفو إلا بعد إرضاء الحق الخاص. وكان القضاة يخضعون لرقابة صارمة، ويُسمح بالطعن في أحكامهم. وكانت البلاد كلها مغطاة بإقطاعات إقطاعية، ورؤساء للتجنيد، وشرطة، وغيرها. وكان هناك نظام بريدي منتظم. وقد تحقق «السلام البابلي» إلى درجة أن الأفراد لم يترددوا في السفر بعرباتهم من بابل إلى ساحل البحر المتوسط. وكان وضع المرأة حرًّا كريمًا.

لم تكن الشريعة مجرد تدوين للأعراف المعاصرة أو حفظ للقانون القديم. فقد تراكمت على مدى قرون من الاعتياد على التقاضي وحكم القانون في أرشيفات المعابد بكل مدينة ثروة هائلة من السوابق القانونية والقرارات القضائية. كما أن شيوع الكتابة واللجوء الدائم إلى العقود المكتوبة عدّل من الأعراف البدائية والسابقة القديمة. وكانت الشريعة، ما دام الطرفان متفقين، تترك لهما الحرية في التعاقد. وكان العقد يُحرّر في المعبد بواسطة كاتب عدل، ويؤكَّد بالقسم «بالله والملك»، ويُختم علنًا بحضور شهود محترفين وأطراف معنية. وكان هذا الإجراء ضمانًا كافيًا لعدم مخالفة العقد للدين أو القانون. وكانت الأعراف والرأي العام يضمنان كذلك عدم الاتفاق على الظلم. وإذا نشأ نزاع، نظر القضاة أولًا في العقد. وقد لا يثبتونه، لكن إذا لم يطعن الطرفان فيه جاز لهما تنفيذه. وكان الحكم قابلًا للاستئناف. وكثيرًا ما نصّت العقود على أن النزاع المستقبلي يُحال إلى «قرار الملك». وقد حدّدت الشريعة في عدد كبير من الحالات ما سيكون عليه هذا القرار، وكثيرًا ما أُعيدت القضايا المستأنفة إلى القضاة مع أوامر بالفصل وفقًا لها.

تقسّم الشريعة السكان إلى ثلاث طبقات: الأميلو، والمسكينو، والأردو. فالأميلو هو الأرستقراطي، صاحب النسب المسجّل، ومالك الأرض الموروثة، وصاحب الحقوق المدنية الكاملة. وله امتيازات ومسؤوليات خاصة، منها حق القصاص الجسدي، والتعرض لعقوبات أشد على الجرائم، ودفع رسوم وغرامات أعلى. وكان من هذه الطبقة الملك والبلاط وكبار الموظفين وأهل المهن والحرف. أما المسكينو فمصطلحه تطور لاحقًا ليعني «فقير»، لكنه في زمن الشريعة كان حرًّا، أقل مكانة، يقبل التعويض المالي بدل القصاص، ويدفع رسومًا أقل، ويسكن حيًا خاصًا. وأما الأردو فهو العبد، ملك لسيده، لكنه يستطيع امتلاك المال وحتى امتلاك عبيد آخرين. وكان سيده يطعمه ويكسوه ويدفع أجرة الطبيب، لكنه يأخذ التعويضات التي تُدفع عن إصابته. وقد يتزوج من امرأة حرة، فيكون أولاده أحرارًا. وكان الهروب يُعاقب عليه، وإيواء العبد الهارب يُعاقب بالموت.

وكان إله المدينة في الأصل مالك أرضها، والمواطنون مستأجرين لديه. ومع الزمن اكتفى الإله والملك بالضرائب العينية والخدمات. وتعترف الشريعة بالملكية الخاصة للأرض، مع خضوعها لرسوم ثابتة. وكان الملك يمنح إعفاءات من هذه الرسوم بمراسيم خاصة.

وكان المعبد مؤسسة اقتصادية كبرى، ومستودعًا للحبوب، وأرشيفًا للمدينة. وكان يقرض الفلاحين الفقراء البذور والمؤن بلا فائدة. وكان الملك يشرف عليه إداريًا لا ملكيًا.

وتتناول الشريعة طرق التصرف في الملكية: البيع، الإيجار، المقايضة، الهبة، الرهن، الإيداع، القرض. وكان البيع يتم بتسليم المبيع مقابل الثمن، مع تحرير إيصالات للطرفين. ولا يُقبل ادعاء بلا وثيقة أو شهود.

وكان الري ضروريًا، ومن يهمل السدود ويتسبب في فيضان يُلزَم بالتعويض أو يُباع مع أسرته لسداد الخسائر. وكانت البيوت تُؤجر عادة سنويًا، ويُشترط الحفاظ على صيانتها. وكان العمل المأجور شائعًا، وحددت الشريعة أجور العمال والرعاة وسائقي الثيران.

وفي التجارة، كان الوكيل التجاري يسافر بالبضائع، ويحاسَب بدقة. وكانت القروض التجارية تُفرض عليها فوائد عالية تصل إلى 30%. وكان الزواج عقدًا قانونيًا، والطلاق جائز للرجل مع التزامات مالية. وكانت المرأة تحتفظ بمهرها وحقوقها. وكان تعدد الزوجات محدودًا بحالات العقم والمرض.

وكان التبنّي شائعًا، وكذلك تحديد حقوق الإرث بالتساوي بين الأبناء الشرعيين. وكان الزنا يُعاقب عليه بالغرق، وسفاح القربى بالحرق أو النفي حسب الحالة. وكان قانون القصاص أساس العقوبات الجسدية.

وكانت الغرامة أكثر العقوبات شيوعًا، مع مضاعفة التعويضات حسب الجريمة. وراعى القانون النية في الجريمة، ففرّق بين العمد والخطأ. وكان الإهمال المهني – كخطأ الطبيب أو البنّاء – يُعاقب بعقوبات قاسية تصل إلى بتر اليد أو الإعدام.

وفي القضاء، كان المدّعي يقدّم عريضته كتابة، ويُستدعى الشهود، ويُحلف الخصوم الأيمان. وكان الاختبار بالماء يُستخدم في القضايا الغيبية. وكانت الأحكام تُدوّن وتُختم، ويجوز الاستئناف إلى الملك.

وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن كثيرًا من الأفعال اللاأخلاقية التي لا يمكن رفعها إلى القضاء، كالغش في الموازين والكذب، كانت تُدان بشدة في ألواح التنبؤات، بوصفها تجلب على مرتكبها «يد الإله» بدل «يد الملك».

الفئة: أرشيف التاريخ القديم | مشاهده: 20 | أضاف: salmaanwer670 | علامات: العدالة في بابل, قوانين العالم القديم, القانون الجنائي القديم, التشريعات القديمة, شريعة حمورابي, الملك حمورابي, بلاد الرافدين, تاريخ القانون, العين بالعين, شريعة موسى, العراق القديم, القانون البابلي, نصوص مسمارية, قوانين بابل, مسلة حمورابي, حقوق الإنسان قديما | الترتيب: 0.0/0
مجموع التعليقات: 0
📜 شاركنا برأيك في هذا البحث
اترك تعليقا سريعا دون الافصاح عن هويتك
انضم للنقاشات العلمية من خلال اثبات هويتك
avatar
Eagle
Copyright MyCorp © 2026
Eagle
شارك الموضوع
نسخ
تصوير
نسخ النص
تصوير الاقتباس