أرشيف المعارف

مكتبة المعرفة الإنسانية

Eagle Mobile
إحصائية الموقع
المتواجدون الآن:
-- زائر

المستخدمين:

14:39
الماعت جوجر الفلسفة المصرية

إن الإعجاز الحقيقي للحضارة المصرية القديمة هو اكتشاف فلاسفة مصر القديمة وإيمان شعبها عبر العصور القديمة بالماعت تلك الكلمة التي يكمن فيها حقيقة سر أسرار عظمة وثبات وقوة واستمرار الفاعلية الحضارية لأكثر من أربعة آلاف عام متصلة فيما قبل الميلاد

والماعت تعني في رأي رواد التاريخ والفكر المصري القديم من أمثال سليم حسن وأحمد كمال وحتى عبد العزيز صالح وعلى رضوان "العدالة والنظام

ولقد تأسس المجتمع المدني المصري منذ فجر التاريخ على نوع من العقد الاجتماعي غير المكتوب بين الحكام والمحكومين على هذا المركب السحري "العدالة والنظام"؛ فالمجتمع السياسي الناجح هو الذي يحقق لأصحابه والعائشين في ظله العدالة والنظام، والعدالة هنا مفهوم له أبعاده الأخلاقية والسياسية والاقتصادية، بل قل : إن شئت أيضاً أن له أبعاده الاجتماعية. وإذا ما اقترن تحقيق العدالة بتوفير النظام والأمن للجميع صرنا أمام ذلك المجتمع المثالي المتندر الذي حلم به المفكرون والمصلحون عبر العصور ولا يزال هو الحلم الذي يراودنا حتى الآن

 إن العدالة هي أساس توفير الأمن وتحقيق النظام في المجتمع؛ فإذا ما عرف كل إنسان حقوقه - حسب القانون - وقام بما عليه من واجبات يحتمها نفس القانون، سواء كان هذا الإنسان حاكماً أو محكوماً لصار هذا المجتمع بالفعل مجتمعاً منظماً قادراً على تحقيق الإنجاز الحضاري المنشود حسب قدرات كل فرد من أفراده، وحسب المؤهلات التي يحملها ويوظفها كلاً منهم في خدمة نفسه ومجتمعه.


(هذا الموضوع تم نسخه ونقله بالكامل عن: موقع أرشيف المعارف)


 وحينما يقرأ القارئ هذا الكلام قد يتصور أننا نقول شيئاً بعيداً عن واقع الحال في مصر القديمة حسب المقولات التي شاعت ونرددها نحن للأسف عن مصر القديمة وحكامها بوصفهم فراعنة مستبدين !! رغم أن الحقيقة التي يعرفها من تعمقوا في دراسة تاريخ الفكر المصري القديم أن "الماعت" كانت مطلباً مشتركاً بين الحكام والمحكومين في مصر القديمة؛ إذ كان الفرعون - وهو بالمناسبة اصطلاح يعني صاحب البيت العظيم - (أي الملك) يفخر ويعتز بشيء واحد طوال فترة حكمه مهما امتدت هو قدرته على تحقيق هذا الماعت والسهر عليه بين مواطنيه؛ فتحقيق الماعت (أي العدالة والنظام) بين الحكام والمحكومين هو مهمته الرئيسية ويكون نجاحه مرهوناً بقدرته على ذلك. ولتتمأمل معي قول الملكة حتشبسوت : "لقد مجدت "الماعت" التي يحبها الإله لأني أعرف أنه يعيش منها. إنها أيضاً خبزي وإني أشرب رحيقها بكوني جسداً واحداً معه" لتدرك معي كم كان فخرها بتطبيقها للعدالة في المجتمع، وكم كانت فخورة بتوحدها مع العدالة لترضي الإله الذي هي جزء منه

 ولتتمأمل معي هاتين المحاكمتين اللتين جرتا في الأسرتين السادسة، والأسرة العشرين وكان موضوعهما واحد هو مؤامرة قام بها نساء القصر وبينهن زوجة الملك ضد الملك حيث قام قضاة مصر بمحاكمة المتهمين في القضيتين باستقلال تام عن الملك الذي لم يتدخل في الحالتين في سير القضية. إن موقف بيبي الأول (الأسرة السادسة) ورمسيس الثالث (الأسرة العشرون) وبينهما حوالي ألفي عام يؤكد احترام ملوك مصر القديمة للسلطة القضائية وضرورة تحقيق المحاكمة العادلة للمتهمين حتى لو كانوا من الأسرة الملكية، وحتى لو كانت المؤامرة دبرت لقتل الملك ذاته!! أتريدون دليلاً أكثر من ذلك يكشف لكم سر حب المصريين القدماء لملوكهم، وكيف كان هذا الحب العامل المؤسس للدولة القديمة ولإبداعات المصريين في كل مجالات الحياة!

 ولعل جميع القراء الأعزاء يذكرون قصة ذلك القروى الفصيح وشكاواه التسعة، تلك الشكاوى التى اتخذها الناس دليلاً على الظلم الذى كان يتعرض له المصرى القديم، وإذا ما أعاد أى منكم قراءة تلك القصة جيداً منذ بدايتها حتى نهايتها وبالذات نهايتها سيدرك كم كان الملك المصرى في تلك الفترة عظيماً حينما أمر بأن يستمر هذا القروى في شكاواه حتى يستطيع معرفة أسرار ما يجرى في ملكه العريض، في الوقت الذى أمر فيه بأن يرسل لأسرة هذا القروى المؤن التى يحتاجونها في فترة غيابه لأنه كان يعلم أن هذا القروى حينما خرج من داره فقد أفرغها من ما فيها من مؤن إلا ما يكفى أهله مدة غيابه يوماً أو يومين! وكم كان هذا الملك عظيماً حينما اقتص من المعتدى بعد عزله من وظيفته بأن تؤول كل أملاك لهذا القروى الشاكي تعويضاً له عما لاقاه من إهانة ومن ظلم على يد هذا المعتدى رغم أنه كان أحد أفراد حاشيته!

 ذلك كان حال المجتمع المصرى القديم، وتلك كانت عوامل استقراره، تلك العوامل التى لخصتها كلمة "الماعت" التى كانت قاسماً مشتركاً بين صنوف الخطاب السياسى في مصر القديمة سواء كانت خطاب السلطة ممثلة في الملوك والوزراء وحكام المقاطعات أو كانت في خطاب الحكام الذى طالبوا دوماً بتحقيق العدالة والنظام وحين غيابهما كان النقد والرفض للأحوال القائمة هو لغة خطابهم واقرأ في ذلك برديات ايبوورونفرو هو أو كانت في خطاب الشعب الذى مثله خير تمثيل شكاوى هذا القروى الفصيح.

 إن الخطاب السياسى في مصر القديمة بكافة صوره إذن كان جوهره "الماعت" ومن ثم كانت "الماعت" هى الصيغة التى بنى عليها العقد الاجتماعى الذى استمر مستقراً لآلاف من السنين بين حكام مصر ومحكوميها.

الفئة: أرشيف الفلسفة | مشاهده: 18 | أضاف: salmaanwer670 | علامات: ريشة الماعت, فلسفة الحقيقة, موازين الحق, قانون الماعت, الفلسفة المصرية القديمة, الوعي المصري القديم, القيم الأخلاقية قديما, أخلاق الفراعنة, نصوص الحكمة المصرية, الإلهة ماعت, العدالة في مصر القديمة, محاكمة الموتى, إخناتون والماعت, الماعت | الترتيب: 0.0/0
مجموع التعليقات: 0
📜 شاركنا برأيك في هذا البحث
اترك تعليقا سريعا دون الافصاح عن هويتك
انضم للنقاشات العلمية من خلال اثبات هويتك
avatar
Eagle
Copyright MyCorp © 2026
Eagle
شارك الموضوع
نسخ
تصوير
نسخ النص
تصوير الاقتباس