بصيرة جديدة يفتحها لنا " موقع أرشيف المعارف " اليوم في عمق الوجدان المصري القديم، حيث نتأمل الأسطورة التاسعة من مدونات الباحثة "م. أ. موراي". في "خمر هليوبوليس"، نحن أمام ملحمة فاصلة تتجاوز مجرد الحكاية؛ إنها سردية الإنقاذ الكبرى التي تبرز كيف انتصرت "حكمة الإله ورأفته" على سخطه، وكيف تحولت دماء الصراع إلى خمرٍ للسلام بفضل تدبير ذكي أنقذ الجنس البشري من لحظة فناء محققة على يد الإلهة الغاضبة.
نستعرض شريط رحلتنا الذي بدأناه معاً:
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن م. أ. موراي 1- الأميرة والشيطان
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 2- حلم الملك تحتمس الرابع
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 3- مجيء الملكة العظيمة
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 4 - كتاب تحوت
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 5 - أوزيريس
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 6 - عقارب إيزيس
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 7 - الخنزير الأسود
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 8 - حروب حورس
في هذه الأسطورة، ننتقل من ساحات المعارك الحربية إلى ساحة الحكمة الإلهية، لنعرف كيف أنقذت سبعة آلاف جرة من الخمر الممزوج بفاكهة النوم الجنس البشري من مخالب "سخمت" الشرسة.
خمر هليوبوليس (The Beer of Heliopolis)
تمرد البشر وغضبة الإله "رع"
حكم جلالة الإله "رع" الأرضين، وكان الملك الثاني لمصر، وفي عهده ساد السلام الأرض، وكانت المحاصيل وفيرة لدرجة أن الرجال حتى يومنا هذا يتحدثون عن الأشياء الطيبة التي "حدثت في زمن رع". بقوته الخاصة خلق نفسه، وخلق السماء والأرض، والآلهة والبشر، وحكمهم جميعاً.
لمئات ومئات السنين حكم حتى تقدم به العمر، ولم يعد الرجال يهابونه، بل ضحكوا قائلين: "انظروا إلى رع! لقد شاخ، عظامه كالفضة، ولحمه كالذهب، وشعره كاللازورد الحقيقي".
حينها استشاط رع غضباً عندما سمع مزاحهم وضحكهم، ونادى أولئك الذين كانوا في حاشيته: "استدعوا لي ابنتي، قرة عيني، واستدعوا أيضاً الآلهة شو وتفنوت، وجب ونوت، والإله العظيم نون، الذي يسكن في مياه السماء. نفذوا أمري سراً لئلا يسمعكم الرجال ويرونكم، فحينها سيخافون ويختبئون".
المجلس الإلهي السري
ذهب المرسلون في سرية، وبكل هدوء جاؤوا لاستدعاء الآلهة والإلهات. وبسرية وهدوء جاءت الآلهة والإلهات إلى قصر رع في المكان المخفي. لم يرَ البشر شيئاً ولم يسمعوا؛ وضحكوا مرة أخرى على رع، غير مدركين للعقاب الذي سيهبط عليهم.
وعلى كل جانب من العرش جاءت الآلهة والإلهات، وانحنوا أمام جلالة رع بجباههم إلى الأرض، قائلين: "تكلم لنسمع". حينها قال رع لنون، الإله العظيم الذي يسكن في مياه السماء: "يا أقدم الآلهة وجميع أيها الآلهة الأجداد! انظروا إلى البشر الذين خلقتهم، كيف يتحدثون ضدي. أخبروني ماذا تودون أن أفعل بهم، فإني حقاً لن أقتلهم حتى أسمع كلماتكم".
فأجاب نون، الإله العظيم الذي يسكن في مياه السماء: "يا ابني رع، يا أعظم الآلهة وأقوى الملوك، عرشك مثبت بقوة، وسيكون خوفك على العالم أجمع عندما ترسل ابنتك، قرة عينك، ضد أولئك الذين يهاجمونك".
تحدث جلالة رع مرة أخرى: "انظروا، سيهربون إلى الصحاري والجبال ويختبئون، إذا سقط الخوف في قلوبهم بسبب مزاحهم وضحكهم؛ وفي الصحاري والجبال لن يجد أحد أثرهم". حينها قالت الآلهة والإلهات، وهم ينحنون أمامه بجباههم على الأرض: "أرسل ابنتك، قرة عينك، ضدهم".
انتقام "سخمت" الشرسة
وفي الحال جاءت ابنة رع. تُدعى "سخمت"، و"حتحور"، أشرس الإلهات؛ كالأسد تندفع على فريستها، الذبح هو سرورها، ولذتها في الدم. وبأمر أبيها دخلت الأرضين لتقتل أولئك الذين تمردوا على جلالة رع، وحولوا تمردهم إلى مزاح وضحك. في أرض "تامري" قتلتهم، وعلى الجبال التي تقع إلى الشرق والغرب من النهر العظيم. ذهبت جيئة وذهاباً مسرعة، تقتل كل من يعترض طريقها، وأمامها هرب المتمردون ضد رع.
ونظر رع إلى الأرض وصاح لابنته، قرة عينه: "تعالي بسلام يا حتحور! هل فعلتِ ما أمرتكِ به؟". وضحكت حتحور وهي تجيب، وكان ضحكها هو صوت اللبؤة الرهيب وهي تمزق فريستها. وصاحت: "وحياتك يا رع، إني أنفذ مشيئتي في البشر، وقلبي يبتهج".
لليالٍ عديدة جرى النهر أحمر، وخاضت الإلهة في دماء البشر، وكانت قدماها حمراوين وهي تخطو عبر أرض مصر حتى وصلت إلى "هنن-ستن".
الخديعة الكبرى: السحر بالخمر
ثم نظر رع إلى الأرض مرة أخرى، وامتلأ قلبه بالشفقة على البشر، رغم أنهم تمردوا ضده. لكن أحداً لم يستطع إيقاف الإلهة القاسية، ولا حتى جلالة رع نفسه؛ كان يجب أن تكف هي بنفسها عن القتل، فلا الآلهة ولا البشر يستطيعون إجبارها. وبالدهاء وحده يمكن تحقيق ذلك.
أصدر رع أمره قائلاً: "استدعوا لي هنا رسلاً سريعين كعصف ريح العاصفة". وعندما أُحضروا، قال: "اركضوا إلى إلفنتين، أسرعوا، اذهبوا بسرعة، وأحضروا لي الفاكهة التي تسبب النوم. كونوا سريعين، كونوا سريعين، فكل هذا يجب أن يُنجز قبل بزوغ الفجر".
أسرع المرسلون، وكانت سرعتهم كسرعة عصف ريح العاصفة. جاؤوا إلى إلفنتين، حيث يثور النهر العظيم بين الصخور التي تعترض طريقه؛ أخذوا الفاكهة التي تسبب النوم، وبسرعة الريح أحضروها إلى رع. كانت الفاكهة بلون القرمز والسكب (أحمر داكن)، وعصيرها كان بلون دم الإنسان؛ وحملها المرسلون إلى هليوبوليس، مدينة رع.
حينها سحق نساء هليوبوليس الشعير وصنعوا الخمر، ومع الخمر خلطوا عصير الفاكهة التي تسبب النوم، وأصبح الخمر بلون الدم. صنعوا سبعة آلاف مكيال من الخمر، وبسرعة طبخوها، لأن الليل كان يقترب من نهايته والنهار على وشك البزوغ. وبسرعة جاء جلالة رع، وجميع الآلهة والإلهات الذين كانوا معه، إلى هليوبوليس لتفقد الخمر. رأى رع أنها مثل دم البشر، وقال: "جيد جداً هذا الخمر. بهذا يمكنني حماية البشرية".
ترويض اللبؤة وإنقاذ البشرية
عند فجر اليوم، أصدر أمره: "احملوا هذا الخمر إلى المكان الذي قُتل فيه الرجال والنساء، واسكبوه فوق الحقول قبل أن يمر جمال الليل". فسكبوه فوق الحقول. وبارتفاع أربعة قراريط غطى الأرض، وكان لونه بلون الدم.
في الصباح جاءت سخمت الشرسة، مستعدة للقتل، وبينما هي تمر نظرت إلى هذا الجانب وذاك، ترقب فريستها. لكنها لم ترَ أي كائن حي، فقط الحقول التي كانت مغطاة بعمق أربعة قراريط من الخمر الذي كان بلون الدم. حينها ضحكت ضحكة مثل زئير اللبؤة، لأنها ظنت أنه الدم الذي سفكته. وانحنت وشربت. مراراً وتكراراً شربت، وضحكت أكثر، لأن عصير الفاكهة التي تسبب النوم صعد إلى دماغها، ولم تعد قادرة على الرؤية لتقتل بسبب عصير تلك الفاكهة.
حينها قال لها جلالة رع: "تعالي بسلام أيتها الجميلة (الحلوة)". وإلى يومنا هذا، تُسمى فتيات "آمو" بـ "الحلوات" ذكرى لذلك.
وتحدث جلالة رع مرة أخرى للإلهة قائلاً: "لكِ ستُعد المشروبات من الفواكه التي تسبب النوم؛ كل عام ستُصنع هذه في المهرجان الكبير للعام الجديد، وسيكون عددها وفقاً لعدد الكاهنات اللواتي يخدمنني".
وإلى يومنا هذا، في مهرجان حتحور، تُصنع المشروبات من الفواكه التي تسبب النوم، وفقاً لعدد كاهنات رع، ذكرى لحماية البشرية من غضب الإلهة.
حواشي
تنبيه من أرشيف المعارف:
تعد هذه الأسطورة حجر الزاوية في فهم العلاقة بين "رع" والبشر، وتفسر الجانب المزدوج للإلهة (حتحور الوديعة / سخمت المدمرة). كما توضح الأصول الأسطورية لطقوس "عيد السكر" الذي كان يحتفل به المصريون القدماء لتمثيل نجاة أجدادهم.
|