أرشيف المعارف

مكتبة المعرفة الإنسانية

Eagle Mobile
إحصائية الموقع
المتواجدون الآن:
-- زائر

المستخدمين:

12:12
أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 8 - حروب حورس
نصل اليوم في "أرشيف المعارف" إلى ذروة الصراع الميثولوجي في الأدب المصري القديم، من خلال ترجمة الأسطورة الثامنة للباحثة "م. أ. موراي". إذا كانت الأجزاء السابقة قد مهدت لنا الطريق لفهم مأساة "أوزيريس" ودهاء "إيزيس"، فإن هذا الفصل يضعنا في قلب "حروب حورس"؛ الملحمة التي جابت مدن مصر من أقصى الجنوب إلى تخوم الشمال، لتؤسس لانتصار النور على الظلمة.

نستذكر معاً المحطات التي قطعناها قبل الوصول إلى هذا النزال الكبير:

أساطير مصرية قديمة ترجمة عن م. أ. موراي 1- الأميرة والشيطان

أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 2- حلم الملك تحتمس الرابع

أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 3- مجيء الملكة العظيمة

أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 4 - كتاب تحوت

أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 5 - أوزيريس

أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 6 - عقارب إيزيس

أساطير مصرية قديمة ترجمة عن مارجريت موراي 7 - الخنزير الأسود

في "حروب حورس"، نرى كيف تحول الإله الشاب إلى "قرص مجنح" يكتسح الأعداء بسحر "تحوت" وعزيمة المنتقم لأبيه، وهي رحلة جغرافية وتاريخية تفسر لنا نشأة العديد من المعابد والطقوس في مصر القديمة.

 

حروب حورس (The Battles of Horus)

بداية الحرب والقرص المجنح
 


كان ذلك في العام الثالث والستين بعد الثلاثمائة من حكم الإله "رع-حور-آختي" على الأرض حين وقعت الحرب العظمى بين حورس وست. كان جلالة الإله رع في النوبة مع جيشه، وهو حشد عظيم لا يُحصى من الجنود والمشاة والفرسان والرماة والعربات. جاء في قاربه فوق النهر؛ كانت مقدمة القارب من خشب النخيل ومؤخرته من خشب السنط، ونزل في "ثيست-حور" شرقي المياه الداخلية. وجاء إليه حورس الإدفو، ذاك الذي يُدعى "صياد الحربون" و"البطل"، باحثاً عن ذاك الشرير "ست"، قاتل أوزيريس. طويلاً بحث عنه، لكن ست كان يراوغه دوماً.

حشد جلالة رع قواته، لأن ست قد تمرد عليه، وفرح حورس بفكرة المعركة، لأنه كان يحب ساعة قتال أكثر من يوم احتفال. دخل في حضرة "تحوت"، العظيم مرتين، إله السحر، فأعطاه تحوت القدرة على تحويل نفسه إلى قرص مجنح عظيم، قرص يتوهج ككرة من نار، مع أجنحة عظيمة على كلا الجانبين تشبه ألوان السماء عند الغروب عندما تتدرج الظلال الزرقاء من الداكن إلى الفاتح، وتتداخل مع الذهب واللهب. ويحاول الرجال محاكاة هذه الألوان عندما ينحتون القرص المجنح فوق أبواب المعابد، أو يصنعونه كحلية للصدر من الذهب المرصع بالتركواز والعقيق واللازورد.

 

المواجهة الأولى في الجنوب: العمى والارتباك

هكذا جلس حورس، في هيئة قرص مجنح عظيم، على مقدمة قارب رع، وومض جلاله عبر المياه وسقط على أعدائه وهم في كمينهم. وعلى أجنحته المجيدة ارتفع في الهواء، وألقى على أعدائه الماكرين لعنة، لعنة رهيبة ومثيرة للرعب، قائلاً: "ستُعمى أعينكم فلا ترون، وستصم آذانكم فلا تسمعون".


وفي الحال، عندما نظر كل رجل إلى جاره، رأى غريباً؛ وعندما سمع لغته الأم المألوفة بدت وكأنها لغة أجنبية، فصرخوا بأنهم قد خُونوا، وأن العدو قد جاء بينهم. وجهوا أسلحتهم كل واحد ضد الآخر، وفي لمح البصر كفّ الكثيرون عن الحياة، وهرب الباقون، بينما كان القرص المتوهج يحلق فوقهم مراقباً لـ "ست". لكن ست كان في مستنقعات بلاد الشمال، ولم تكن هذه القوات سوى طليعته.

ثم طار حورس عائداً إلى رع، فاحتضنه رع وأعطاه جرعة من النبيذ الممزوج بالماء. وإلى يومنا هذا، يسكب الرجال قرابين من النبيذ والماء لحورس في هذا المكان ذكرىً لذلك. عندما شرب حورس النبيذ، تحدث إلى جلالة رع وقال: "تعال وانظر أعداءك، كيف ينبطحون صرعى في دمائهم". جاء رع، وجاءت معه "عشتروت"، سيدة الخيل، تقود جيادها الغاضبة؛ ورأوا الحقل المليء بالجثث حيث قتل جيش ست بعضه بعضاً.

وهذه هي المواجهة الأولى في الجنوب، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.
 

المواجهة الثانية: الوحوش المائية


اجتمع أعوان ست وتآمروا، واتخذوا لأنفسهم هيئة تماسيح وفرس نهر، لأن هذه الوحوش العظيمة يمكنها العيش تحت الماء ولا يمكن لأي سلاح بشري اختراق جلودها. صعدوا في النهر، والماء يدوّم خلفهم، واندفعوا نحو قارب رع لقلبه. لكن حورس كان قد جمع فرقته من صانعي الدروع وحدادي الأسلحة، وقد أعدوا سهاماً ورماحاً من المعدن، مصهورة وملحومة، ومطروقة ومشكلة، مع كلمات سحرية وتعاويذ رُتلت فوقها. وعندما صعدت الوحوش الشرسة في النهر في موجات من الزبد، شد أتباع حورس أوتار أقواسهم وأطلقوا سهامهم، وألقوا رماحهم، وهاجموا برماحهم الطويلة. واخترق المعدن الجلود ووصل إلى القلوب، وقُتل من هذه الحيوانات الشريرة ستمائة وخمسون، وهرب الباقون.
وهذه هي المواجهة الثانية في الجنوب، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.

 

المطاردة نحو "دندرة" و"نخن"


هرب أعوان ست، بعضهم صعوداً في النهر وبعضهم هبوطاً؛ ضعفت قلوبهم وفشلت أقدامهم خوفاً من حورس، صياد الحربون، البطل. وأولئك الذين كانت وجوههم نحو أرض الجنوب هربوا أسرع، لأن حورس كان وراء ظهورهم في قارب رع؛ ومعه جاء أتباعه، وأسلحتهم في أيديهم.
في الجنوب الشرقي من "دندرة"، مدينة "حتحور"، رأى حورس العدو، واندفع عليهم مع أتباعه، بينما كان رع وتحوت يراقبان الصراع وهما ينتظران في القارب.

حينها قال جلالة رع لتحوت: "انظر، كيف يجرح أعداءه! انظر، كيف ينشر حورس الإدفو الدمار بينهم!". وبعد ذلك بنى الرجال مزاراً في هذا المكان ذكرى للقتال، والآلهة في المزار كانوا رع ومين وحورس الإدفو.

وهذه هي المواجهة الثالثة في الجنوب، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.

ثم أداروا القارب بسرعة، وحُمل بسرعة مع التيار، متبعين الهاربين الذين كانت وجوههم نحو أرض الشمال. ليلة ويوماً طاردوهم، وفي الشمال الشرقي من دندرة رآهم حورس. فأسرع هو وأتباعه، وانقضوا عليهم، وقتلوهم. كانت المذبحة عظيمة ورهيبة بينما كان يسوقهم أمامه.
هكذا تم تدمير جيش ست في الجنوب في أربع مواجهات كبرى، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.

 

الحرب في الشمال: المستنقعات والجزيرة العائمة


تحول حلفاء ست بوجوههم نحو البحيرة ونحو مستنقعات البحر. جاء حورس خلفهم في قارب رع، وكانت هيئته هيئة قرص مجنح عظيم؛ ومعه جاء أتباعه، وأسلحتهم في أيديهم. حينها أمر حورس بالصمت، وحل الصمت على أفواههم. أربعة أيام وأربع ليالٍ كانوا على الماء يبحثون عن العدو. لكنهم لم يجدوا أحداً، لأن خصومهم حولوا أشكالهم إلى أشكال تماسيح وفرس نهر، ورقدوا مختبئين في الماء. في صباح اليوم الخامس رآهم حورس؛ وفي الحال خاض المعركة، وامتلأ الهواء بضجيج القتال، بينما كان رع وتحوت يراقبان الصراع وهما ينتظران في القارب.

حينها صاح جلالة رع عالياً عندما رأى حورس كشعلة ملتهمة في ساحة المعركة: "انظروا كيف يلقي سلاحه ضدهم، إنه يقتلهم، يدمرهم بسيفه، يقطعهم إرباً، يهزمهم تماماً! انظروا وتأملوا حورس الإدفو!". في نهاية القتال عاد حورس منتصراً وأحضر مائة واثنين وأربعين سجيناً إلى قارب رع.
وهذه هي المواجهة الأولى في الشمال، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.

 

المعركة في "قناة الشمال" و"ميرت"


التفت الأعداء، الذين كانوا على مياه الشمال، بوجوههم نحو القناة للوصول إلى البحر، وجاؤوا إلى مياه "ميرت" الغربية، حيث يسكن حليف ست. تبعهم حورس خلفهم، مجهزاً بكل أسلحته اللامعة، وذهب في قارب رع، وكان رع في القارب مع ثمانية من حاشيته. كانوا في القناة الشمالية، وذهبوا جيئة وذهاباً، يدورون ويعودون، لكنهم لم يروا أو يسمعوا شيئاً. ثم اتجهوا شمالاً لليلة ويوم وجاؤوا إلى "بيت ررهو".

هناك قال رع لحورس: "انظر، أعداؤك مجتمعون في مياه ميرت الغربية، حيث يسكن حلفاء ست". وصلى حورس الإدفو لجلالة رع أن يأتي بقاربه ضد حلفاء ست. سافروا ثانية نحو الشمال، حيث تدور النجوم التي لا تغيب حول نقطة معينة في السماء، وعلى ضفاف مياه ميرت الغربية كان حلفاء ست مستعدين للمعركة. حينها لم يتأخر حورس الإدفو لحظة، بل اندفع على العدو، ومعه جاء أتباعه، وأسلحتهم في أيديهم. أذاقوهم الموت والدمار يميناً ويساراً حتى هرب العدو أمامهم. وعندما انتهى الصراع، عدوا السجناء؛ أُسر ثلاثمائة وواحد وثمانون، وهؤلاء قتلهم حورس أمام قارب رع، وأعطى أسلحتهم لأتباعه.

وهذه هي المواجهة الثانية في الشمال، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.
 

خروج "ست" للمبارزة المباشرة


وأخيراً، خرج ست نفسه من مخبئه. إنه شرس ووحشي، ماكر وقاسٍ؛ في طبيعته كوحش كاسر، بلا رحمة أو شفقة؛ ويصنع الرجال صورته برأس وحش بري، لأن المشاعر الإنسانية مجهولة بالنسبة له. من مخبئه خرج وزأر زئيراً رهيباً. ارتجفت الأرض والسماوات لصوت زئيره وللكلمات التي نطق بها، فقد تفاخر بأنه سيقاتل حورس بنفسه ويدمره كما دمر أوزيريس.

حملت الريح كلمات تفاخره إلى رع، فقال رع لتحوت العظيم مرتين، رب السحر والحكمة: "اجعل هذه الكلمات العالية من ذاك الرهيب تخر صريعة". حينها وثب حورس الإدفو للأمام واندفع نحو عدوه، واشتعل قتال عظيم. ألقى حورس سلاحه وقتل الكثيرين، وقاتل أتباعه أيضاً وانتصروا. ومن وسط غبار وضجيج القتال خرج حورس، يجر سجيناً؛ وكانت ذراعا الأسير مقيدتين خلفه، وعصا حورس مربوطة عبر فمه لئلا يصدر أي صوت، وسلاح حورس عند حلقه. جرّه حورس أمام جلالة رع. وقال رع لحورس: "افعل به ما تشاء". حينها انقض حورس على عدوه، وضرب بسلاحه في رأسه وفي ظهره، وقطع رأسه، وجر الجسد من قدميه، وفي النهاية قطع الجسد إلى قطع. هكذا عامل جسد خصمه كما عامل ست جسد أوزيريس. وقع هذا في اليوم السابع من الشهر الأول من الموسم الذي تظهر فيه الأرض بعد الفيضان. وتُدعى البحيرة "بحيرة القتال" إلى يومنا هذا.
وهذه هي المواجهة الثالثة في الشمال، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.


 

تحول "ست" إلى ثعبان

لقد كان حليف ست هو من قتله حورس، أما ست نفسه فكان لا يزال حياً، وهاج ضد حورس كفهد من الجنوب. ووقف وزأر في وجه السماء، وكان صوته صوت الرعد، وبينما هو يزأر حول نفسه إلى ثعبان عظيم، ودخل في الأرض. لم يره أحد يذهب ولم يره أحد يتحول، لكنه كان يقاتل ضد الآلهة، وهم بقوتهم ومعرفتهم يدركون ما يحدث، وإن لم يخبرهم أحد. وقال رع لحورس: "لقد حول ست نفسه إلى ثعبان فحيحه مسموع ودخل الأرض. يجب أن نضمن ألا يخرج أبداً؛ أبداً، لا يخرج مرة أخرى!".


استجمع أعوان ست شجاعتهم، عالمين أن زعيمهم حي، واجتمعوا ثانية، وملأت قواربهم القناة. ذهب قارب رع ضدهم، وفوق القارب سطع جلال القرص المجنح العظيم. عندما رأى حورس العدو مجتمعاً في مكان واحد، اندفع عليهم وهزمهم وقتل منهم ما لا يحصى.
وهذه هي المواجهة الرابعة في الشمال، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.

 

تأسيس الشعائر ومدن "مسن"


بقي حورس الإدفو في قارب رع في القناة لستة أيام وست ليالٍ يراقب العدو، لكنه لم ير أحداً، لأنهم رقدوا جثثاً في الماء. وإلى يومنا هذا يقيم الرجال طقوساً لذكرى حروب حورس في اليوم الأول من الشهر الأول من الفيضان، وفي اليوم السابع من الشهر الأول من ظهور الأرض، وفي اليومين الحادي والعشرين والرابع والعشرين من الشهر الثاني من ظهور الأرض. وتُحفظ هذه الأيام مقدسة في "آست-آبت"، التي تقع في الجانب الجنوبي من "أنرودف"، حيث يوجد أحد قبور أوزيريس. وصنعت إيزيس تعاويذ سحرية حول أنرودف لكي لا يقترب منها عدو؛ وتُدعى كاهنة أنرودف "سيدة التعاويذ" إلى يومنا هذا ذكرى لذلك؛ وتُسمى المياه "مياه البحث"، لأن حورس هناك بحث عن خصمه.

وأرسل حورس أتباعه، فاصطادوا العدو، وأحضروا سجناء؛ مائة وستة من الشرق ومائة وستة من الغرب. هؤلاء قتلهم أمام رع في المقاديس. ثم أعطى رع لحورس ومقاتليه مدينتين تُدعيان "مدن مسن" إلى يومنا هذا، لأن أتباع حورس هم "المسنتيو" أو عمال المعادن. في محاريب مدن مسن يكون حورس هو الإله، وتقام طقوسه السرية في أربعة أيام من السنة. عظيمة ومقدسة هي هذه الأيام في مدن مسن، لأنها ذكرى لحروب حورس التي خاضها ضد ست، قاتل أوزيريس.

 

المعركة في الشرق والنوبة


اجتمع هؤلاء الأعداء ثانية في الشرق، وسافروا نحو "ثارو". حينها أُطلق قارب رع لتبعهم، وحول حورس الإدفو نفسه إلى هيئة أسد بوجه إنسان؛ كانت ذراعاه كالصوان، وعلى رأسه "تاج الآتف"، وهو التاج الأبيض لأرض الجنوب مع ريش وقرون، وعلى كل جانب ثعبان متوج. وأسرع خلف أعدائه، وهزمهم، وأحضر من السجناء مائة واثنين واربعين.

حينها قال رع لحورس الإدفو: "لنرحل شمالاً إلى المياه الخضراء العظيمة، ونضرب العدو هناك كما ضربناه في مصر". اتجهوا شمالاً، وهرب العدو أمامهم، ووصلوا إلى المياه الخضراء العظيمة، حيث تكسرت الأمواج على الشاطئ بصوت الرعد. حينها قام تحوت ووقف في وسط القارب، ورتل كلمات غريبة فوق قوارب وصنادل حورس وأتباعه، فسكن البحر بينما طاف صوت الكلمات فوق أمواجه. وحل الصمت على المياه الخضراء العظيمة، لأن الريح هدأت، ولم يكن في الأفق سوى قوارب رع وحورس.

ثم قال جلالة رع: "لنُبحر حول كامل امتداد الأرض، لنُبحر إلى أرض الجنوب". وعرفوا أن رع كان مدركاً لوجود العدو. فأسرعوا وأبحروا إلى أرض الجنوب ليلاً، إلى بلاد "تا-كنس"، وجاؤوا إلى بلدة "شايس"، ولكن حتى وصلوا إلى شايس لم يروا شيئاً من أي عدو. وشايس تقع على حدود النوبة، وفي النوبة كانت حراسات العدو. حينها حول حورس الإدفو نفسه إلى قرص مجنح عظيم بأجنحة لامعة منبسطة، وعلى كل جانب منه جاءت الإلهتان "نخبت" و"واجيت"، وكانت هيئتهما هيئة ثعابين ضخمة مقنعة (كوبرا) تضع التيجان على رؤوسها؛ على رأس نخبت كان التاج الأبيض لأرض الجنوب، وعلى رأس واجيت كان التاج الأحمر لأرض الشمال. وصاح الآلهة في قارب رع عالياً وقالوا: "انظر يا من أنت عظيم مرتين، لقد وضع نفسه بين الإلهتين. انظر كيف يصرع خصومه ويدمرهم".

وهذه هي المواجهة في النوبة، لكن المعركة الكبرى الأخيرة لم تكن بعد.
 
تخليد القرص المجنح والمدن المقدسة

ثم جاء رع في قاربه ورسا في "ثيست-حور"، وأصدر أمره بأن ينحت الرجال في كل معبد في "الأرضين" القرص المجنح، وعلى يمين ويسار القرص تكون نخبت وواجيت كثعابين مقنعة عظيمة بالتيجان فوق رؤوسهما. ويُدعى المعبد عند نقطة ثيست-حور "بيت حورس في الجنوب" إلى يومنا هذا ذكرى لذلك، ويُقدم هناك قربان عظيم لرع وحورس. وأعطى رع لحورس إقليم "بيت القتال"، وآست-آبت، ومدن مسن في الشرق والغرب، وإدفو الشمال، وثارو، وجاوتي، وبحر الإبحار، وشاسو العليا، وإدفو-بيت-رع. ومن البحيرة جنوبي إدفو-بيت-رع يحضرون الماء لبيتي الملك في يوم "عيد السد". وحملت إيزيس حجر "آر" من الرمل إلى ثيست-حور؛ حجر آر النجم كان؛ وفي كل مكان في أرض الجنوب ذهب إليه حورس، يوجد حجر آر إلى يومنا هذا.
 

المعركة الأخيرة وحسم الصراع


يقول البعض إن المعركة الكبرى الأخيرة لم تأتِ بعد، وأنه في النهاية سيقتل حورس ست، وأن أوزيريس وكل الآلهة سيحكمون على الأرض عندما يتم تدمير عدوهم تماماً. لكن آخرين يقولون إن المعركة قد انتهت بالفعل وأن حورس قتل العدو العظيم والشرير الذي جلب البؤس والمصيبة للجميع.
وهذا ما يقولونه: بعد شهور وسنين كبر حورس الطفل وأصبح رجلاً. ثم جاء ست مع حلفائه، وتحدى حورس في حضرة رع. وخرج حورس، وأتباعه معه في قواربهم، بدروعهم، وأسلحتهم اللامعة بمقابض خشبية مشغولة، وحبالهم، ورماحهم.

وصنعت إيزيس حلياً ذهبية لمقدمة قارب حورس، ووضعتها في أماكنها بكلمات سحرية وتعاويذ، قائلة: "الذهب في مقدمة قاربك، يا رب مسن، يا حورس، يا قائد القارب، قارب حورس العظيم، قارب الابتهاج. لتكن شجاعة رع، وقوة شو، والقدرة والرعب حولك. أنت منتصر يا ابن أوزيريس، ابن إيزيس، لأنك تقاتل من أجل عرش أبيك".
 

نهاية "ست" كفرس نهر أحمر

ثم اتخذ ست لنفسه هيئة فرس نهر أحمر، عظيم وجبار، وجاء من أرض الجنوب مع حلفائه، مسافراً إلى أرض الشمال للقاء حورس الإدفو. وعند "إلفنتين" (أسوان)، وقف ست ونطق بلعنة عظيمة ضد حورس الإدفو وضد إيزيس، وقال: "لتأتِ ريح عظمى، ريح شمالية عاتية وعاصفة هائجة"؛ وكان صوت صوته كالرعد في شرقي السماء. صرخت كلماته من سماء الجنوب وترددت في سماء الشمال، كلمة وصرخة من ست، عدو أوزيريس والآلهة.


وفي الحال اندلعت عاصفة فوق قوارب حورس وأتباعه، زأرت الريح، وضُرب الماء في موجات عاتية، وتمايلت القوارب كالقش. لكن حورس صمد في طريقه؛ وعبر ظلام العاصفة وزبد الأمواج لمعت المقدمة الذهبية كأشعة الشمس. وتحول حورس إلى هيئة شاب؛ كان طوله ثمانية أذرع؛ وفي يده أمسك بحربون، كان نصله أربعة أذرع، وعصاه عشرون ذراعاً، وسلسلة من ستين ذراعاً كانت ملحومة به. ولوّح بالسلاح فوق رأسه وكأنه قصبة، وأطلقه على فرس النهر الأحمر العظيم الذي وقف في المياه العميقة، مستعداً لتدمير حورس وأتباعه عندما تحطم العاصفة قواربهم.

ومن الضربة الأولى استقر السلاح عميقاً في رأس فرس النهر الأحمر العظيم ودخل في الدماغ. هكذا مات ست، ذاك الشرير العظيم، عدو أوزيريس والآلهة. وإلى يومنا هذا، يرتل كهنة حورس الإدفو، وبنات الملك، ونساء "بوزيريس" (أبو صير) ونساء "بي" نشيداً ويضربون الدف لحورس انتصاراً.

 

نشيد النصر

وهذه هي أغنيتهم: "ابتهجي يا نساء بوزيريس! ابتهجي يا نساء بي! حورس قد صرع أعداءه!

افرحوا يا سكان إدفو! حورس، الإله العظيم، رب السماء، قد ضرب عدو أبيه!

كلوا لحم المهزوم، اشربوا دمه، احرقوا عظامه في لهيب النار. ليُقطع إرباً، ولتُعطَ عظامه للقطط، وأجزاؤه للزواحف.

يا حورس، يا ضارب، يا عظيم البأس، يا قاتل، يا رئيس الآلهة، يا صياد الحربون، يا بطل، يا وحيد الأب، يا آسر الأسرى، حورس الإدفو، حورس المنتقم!

لقد دمر الشرير، لقد صنع دوامة بدم عدوه، وسهمه جعل منه فريسة. انظروا، شاهدوا حورس في مقدمة قاربه. مثل رع، يشرق في الأفق. إنه متزين بالكتان الأخضر، بالكتان الرابط، بالكتان الناعم والبوص. التاج المزدوج فوق رأسك، والثعبانان فوق جبينك، يا حورس المنتقم!

حربونك من المعدن، وعصاه من جميز الصحراء، والشبكة غزلها حتحور الورود. لقد صوبت يميناً، وألقيت يساراً. نرفع الثناء إليك إلى أعالي السماء، لأنك قيدت شر عدوك. نرفع الثناء إليك، نعبد جلالك، يا حورس الإدفو، حورس المنتقم!".

 
حواشى
 
تنبيه من أرشيف المعارف:

 
تعد هذه الأسطورة سجلاً جغرافياً ودينياً هاماً، حيث تربط بين الانتصارات العسكرية الميثولوجية وبين المواقع الفعلية للمعابد في مصر القديمة، وتبرز دور "عمال المعادن" (المسنتيو) كحلفاء لحورس في الانتقال من العصر الحجري إلى العصر المعدني.
الفئة: أرشيف الحضارات القديمة | مشاهده: 4 | أضاف: salmaanwer670 | علامات: أساطير مصرية قديمة, القرص المجنح, الإله رع, إدفو, مدينة بي, إيزيس, م. أ. موراي, معبد إدفو, حروب حورس, حورس وست, الميثولوجيا الفرعونية, فرس النهر الأحمر, تحوت, صياد الحربون | الترتيب: 0.0/0
مجموع التعليقات: 0
📜 شاركنا برأيك في هذا البحث
اترك تعليقا سريعا دون الافصاح عن هويتك
انضم للنقاشات العلمية من خلال اثبات هويتك
avatar
Eagle
Copyright MyCorp © 2026
Eagle
شارك الموضوع
نسخ
تصوير
نسخ النص
تصوير الاقتباس