بين شقوق الصخر وتحت أنقاض التاريخ، تقبع تفاصيل ملحمية لم تدونها خطابات الملوك الرسمية، بل حفرتها سواعد العمال البسطاء في عتمة الأرض. هذا النص يأخذنا إلى عمق المعركة الاستباقية التي خاضتها أورشليم القديمة للبقاء على قيد الحياة؛ معركة لم تكن بالسيف، بل بالمعاول وهندسة المياه، حيث تحول حفر نفق سري إلى طوق النجاة الوحيد مدينةٍ كاملة يهددها الفناء الآشوري.
نضع بين أيديكم التوثيق الأثري لـ "نقش سلوان"؛ الأثر الفريد الذي لا يروي فقط قصة إنجاز هندسي تحدى الزمن، بل يمثل حلقة الوصل المادية الملموسة التي تلتقي فيها نصوص العهد القديم بحقائق علم الآثار، لتعيد رسم ملامح واحدة من أخطر أزمات الشرق الأدنى القديم.
نقش سلوان : نقش عثر عليه في أورشليم (القدس)، ومحفوظ حالياً في متاحف الآثار في إسطنبول، وهو يوثق عملية حفر نفق للمياه. فبعد الاستيلاء الآشوري على السامرة، في عام 724 أو 722 قبل الميلاد، تدفق اللاجئون من إسرائيل نحو الجنوب، إلى يهوذا. وتوسعت عاصمتها أورشليم جهة الغرب. وإدراكاً منه بأن المدينة ستكون يوماً ما هدفاً لعدوان آشوري متجدد، قام الملك اليهودي حزقيا (الذي حكم من 715 إلى 687 قبل الميلاد) بإعداد أورشليم لمواجهة الحصار. فجرت تعمية نبع جيحون، الواقع في وادي قدرون شرق المدينة، عن الأنظار، في حين تم حفر نفق يبلغ طوله 533 متراً (على امتداد شق طبيعي) لجعل المياه تتدفق إلى داخل المدينة، نحو بركة سلوان (أو شيلوح). لقد كان عملاً مهيباً ومبهراً، لدرجة أن كاتب سفر الملوك الثاني، والذي لم يكن مهتماً حقاً بالشؤون الدنيوية، لم يتمكن من تجاهله:
وكان في داخل النفق نقش قصير، مكتوب بنوع قديم من الأبجدية العبرية (مؤرخ لغوياً وأثرياً بآواخر القرن الثامن أو القرن السابع قبل الميلاد)، يوثق اللقاء الأول، في عمق الأرض، بين فريقين من العمال.
تفاصيل النقش الأثري وعملية الاختراق :
... [عندما جرى] اختراق [النفق]. وهذه هي الطريقة التي تم بها الحفر والاختراق:
بينما كان [النحاتون] لا يزالون يرفعون [...] الفؤوس، كل رجل باتجاه صاحبه، وبينما كان لا يزال هناك ثلاث أذرع يتعين حفرها واختراقها، [سُمِع] صوت رجل ينادي صاحبه، لأنه كان هناك تداخل في الصخر على اليمين [وعلى اليسار]. وعندما تم اختراق النفق، نحت العمال [الصخر]، كل رجل باتجاه صاحبه، فأساً ضد فأس؛ وتدفقت المياه من النبع نحو الخزان لمسافة 1200 ذراع، وكان ارتفاع الصخر فوق رؤوس النحاتين مئة ذراع.
الحصار الآشوري اللاحق :
في عام 701 قبل الميلاد، فرض الملك الآشوري سنحاريب حصاراً على أورشليم، لكنه لم يتمكن من الاستيلاء على عاصمة يهوذا.